فصل: تفسير الآية رقم (21)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏هَؤُلاء‏}‏ هو مبتدأ وفي اسم الإشارة تحقير لهم ‏{‏قَوْمُنَا‏}‏ عطف بيان له لا خبر لعدم إفادته ولا صفة لعدم شرطها والخبر قوله تعالى ‏{‏اتخذوا مِن دُونِهِ‏}‏ تعالى شأنه ‏{‏ءالِهَةً‏}‏ أي عملوها ونحتوها لهم‏.‏

قال الخفاجي‏:‏ فيفيد أنهم عبدوها ولا حاجة إلى تقديره كما قيل بناء على أن مجرد العمل غير كاف في المقصود، وتفسير الاتخاذ بالعمل أحد احتمالين ذكرهما أبو حيان، والآخر تفسيره بالتصيير فيتعدى إلى مفهولين أحدهما ‏{‏ءالِهَةً‏}‏ والثاني مقدر، وجوز أن يكون ‏{‏ءالِهَةً‏}‏ هو الأول و‏{‏مِن دُونِهِ‏}‏ هو الثاني وهو كما ترى، وأياً ماكان فالكلام اخبار فيه معنى الإنكار لا اخبار محض بقرينة ما بعده ولأن فائدة الخبر معلومة ‏{‏لَّوْلاَ يَأْتُونَ‏}‏ تحضيض على وجه الإنكار والتعجيز إذ يستحيل أن يأتوا ‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ بتقدير مضاف أي على ألوهيتهم أو على صحة اتخاذهم لها آلهة ‏{‏بسلطان بَيّنٍ‏}‏ بحجة ظاهرة الدلالة على مدعاهم فإن الدين لا يؤخذ إلا به، واستدل به أن ما لا دليل عليه من أمثال ما ذكر مردود ‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا‏}‏ بنسبة الشريك إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وقد مر تحقيق المراد من مثل هذا التركيب، وهذه المقالة يحتمل أن يكونوا قالوها بين يدي الجبال تبكيتاً وتعجيزاً وتأكيداً للتبري من عبادة ما يدعوهم إليه بأسلوب حسن؛ ويحتمل أن يكونوا قالوها فيما بينهم لما عزموا عليه، وخبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما السابق نص في أن هذه المقالة وما قبلها وما بعدها إلى ‏{‏مّرْفَقًا‏}‏ مقولة فيما بينهم، ودعوى أنه إذا كان المراد من القيام فيما مر قيامهم بين يدي الجبار يتعين كون هذه المقالة صادرة عنهم بعد خروجهم من عنده غير مسلمة كما لا يخفى، نعم ينبغي أن يكون قوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذِ اعتزلتموهم وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله‏}‏ مقولاً فيما بينهم مطلقاً خاطب به بعضهم بعضاً‏.‏ وفي مجمع البيان عن ابن عباس أن قائله يمليخا، والاعتزال تجنب الشيء بالبدن أو بالقلب وكلا الأمرين محتمل هنا، والتعزل بمعناه ومن ذلك قوله‏:‏

يا بيت عاتكة الذي أتعزل *** حذر العدا وبه الفؤاد موكل و‏{‏مَا‏}‏ يحتمل أن تكون موصولة وإن تكون مصدرية، والعطف في الاحتمالين على الضمير المنصوب، والظاهر أن الاستثناء فيهما متصل، ويقدر على الاحتمال الثاني مضاف في جانب المستثنى ليتأتى الاتصال أي وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم الذين يعبدونهم إلا الله تعالى أو إذا اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم إلا عبادة الله عز وجل، وتقدير مستثنى منه على ذلك الاحتمال لذلك نحو عبادتهم لمعبوديهم تكلف، ويحتمل أن يكون منقطعاً، وعلى الأول‏:‏ يكون القوم عابدين الله تعالى وعابدين غيره كما جاء ذلك في بعض الآثار‏.‏

أخرج سعيد بن منصور‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم‏.‏ وأبو نعيم عن عطاء الخراساني أنه قال‏:‏ كان قوم الفتية يعبدون الله تعالى ويعبدون معه آلهة شتى فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله تعالى‏.‏

وعلى الثاني‏:‏ يكونون عابدين غيره تعالى فقط، قيل وهذا هو الأوفق بقوله تعالى أولاً‏:‏ ‏{‏هَؤُلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 15‏]‏ فتأمل‏.‏

وجوز أن تكون ما نافية والاستثناء مفرغ والجملة إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترضة بين إذ وجوابه أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأْوُواْ‏}‏ أي التجؤا ‏{‏إِلَى الكهف‏}‏ ووجه الاعتراض على ما في «الكشف» أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا اعتزلتموهم‏}‏ فأووا معناه وإذا اجتنبتم عنهم وعما يعبدون فأخلصوا له العبادة في موضع تتمكنون منه فدل الاعتراض على أنهم كانوا صادقين وأنهم أقاموا بما وصى به بعضهم بعضاً فهو يؤكد مضمون الجملة‏.‏

وإلى كون ‏{‏فَأْوُواْ‏}‏ جواب إذ ذهب الفراء، وقيل‏:‏ إنه دليل الجواب أي وإذا اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جسمانياً أو إذا أردتم الاعتزال الجسماني فافعلوا ذلك‏.‏ واعترض كلا القولين بأن إذ بدون ما لا تكون للشرط، وفي «همع الهوامع» أن القول بأنها تكون له قول ضعيف لبعض النحاة أو تسامح لأنها بمعناه فهي هنا تعليلية أو ظرفية وتعلقها قيل بأووا محذوفاً دل عليه المذكور لا به لمكان الفاء أو بالمذكور والظرف يتوسع فيه ما لا يتوسع في غيره، وقال أبو البقاء‏:‏ إذ ظرف لفعل محذوف أي وقال بعضهم لبعض، وظاهره أنه عنى بالفعل المحذوف قال؛ وأقول‏:‏ هو من أعجب العجائب‏.‏ وفي مصحب ابن مسعود كما أخرج ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ وقال هرون‏:‏ في بعض المصاحب ‏{‏وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِنَا‏}‏ وهذا يؤيد الاعتراض، وفي البحر أن ما في المصحفين تفسير لا قراءة لمخالفته سواد الإمام‏.‏

وزعم أن المتواتر عن ابن مسعود ما فيه ‏{‏يَنْشُرْ لَكُمْ‏}‏ يبسط لكم ويوسع عليكم ‏{‏رَبُّكُمْ‏}‏ مالك أمركم الذي هداكم للايمان ‏{‏مّن رَّحْمَتِهِ‏}‏ في الدارين ‏{‏وَيُهَيّىء‏}‏ يسهل ‏{‏لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ‏}‏ الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين والتوجه التام إلى الله تعالى‏:‏ ‏{‏مّرْفَقًا‏}‏ ما ترفقون وتنتفعون به، وهو مفعول ‏{‏يهىء‏}‏ ومفعول ‏{‏الكهف يَنْشُرْ‏}‏ محذوف أي الخي ونحوه ‏{‏وَمِنْ أَمَرَكُمُ‏}‏ على ما في بعض الحواشي متعلق بيهىء ومن لابتداء الغاية أو للتبعيض، وقال ابن الانباري‏:‏ للبدل والمعنى يهىء لكم بدلاً عن أمركم الصعب مرفقاً كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 38‏]‏‏.‏ فليت لنا من ماء زمزم شربة *** مبردة باتت على طهيان

وجوز أن يكون حالاً من ‏{‏مّرْفَقًا‏}‏ فيتعلق بمحذوف، وتقديم ‏{‏لَكُمْ‏}‏ لما مر مراراً من الإيذان من أول الأمر بكون المؤخر من منافعهم والتشويق إلى وروده، والظاهر أنهم قالوا هذا ثقة بفضل الله تعالى وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه سبحانه ونصوع يقينهم فقد كانوا علماء بالله تعالى‏.‏

فقد أخرج الطبراني‏.‏ وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس قال‏:‏ ما بعث الله تعالى نبياً إلا وهو شاب ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب وقرأ ‏{‏قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إبراهيم‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 60‏]‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ موسى لفتاه‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 60‏]‏ و‏{‏إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 13‏]‏ وجوز أن يكونوا قالوه عن أخبار نبي في عصرهم به وأن يكون بعضهم نبياً أوحى إليك ذلك فقاله، ولا يخفى أن ما ذكر مجرد احتمال من غير داع‏.‏

وقرأ أبو جعفر‏.‏ والأعرج‏.‏ وشيبة‏.‏ وحميد‏.‏ وابن سعدان‏.‏ ونافع‏.‏ وابن عامر‏.‏ وأبو بكر في رواية الأعشى‏.‏ والبرجمي‏.‏ والجعفي عنه‏.‏ وأبو عمرو في رواية هرون ‏{‏مّرْفَقًا‏}‏ بفتح الميم وكسر الفاء ولا فرق بينه وبين ما هو بكسر الميم وفتح الفاء معنى على ما حكاه الزجاج‏.‏ وثعلب فإن كلاً منهما يقال في الأمر الذي يرتفق به وفي الجارحة، ونقل مكي عن الفراء أنه قال‏:‏ لا أعرف في الأمر وفي اليد وفي كل شيء إلا كسر الميم، وأنكر الكسائي أن يكون المرفق من الجارحة إلا بفتح الميم وكسر الفاء وخالفه أبو حاتم وقال‏:‏ المرفق بفتح الميم الموضع كالمسجد، وقال أبوزيد‏:‏ هو مصدر جاء على مفعل كالمرجع، وقيل‏:‏ هما لغتان فيما يرتفق به وأما من اليد فبكسر الميم وفتح الفاء لاغير، وعن الفراء أن أهل الحجاز يقولون‏:‏ ‏{‏مّرْفَقًا‏}‏ بفتح الميم وكسر الفاء فيما ارتفقت به ويكسرون مرفق الإنسان، وأما العرب فقد يكسرون الميم منهما جميعاً اه‏.‏ وأجاز معاذ فتح الميم والفاء، وهذا واستدل بالآية على حسن الهجرة لسلامة الدين وقبح المقام في دار الكفر إذ لم يمكن المقام فيهاإلا بإظهار كلمة الكفر وبالله تعالى التوفيق‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَرَى الشمس‏}‏ بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف ولم يصرح سبحانه به تعويلاً على ما سبق من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 10‏]‏ وما لحق من إضافة الكهف إليهم وكونهم في فجوة منه، وجوز أن يكون إيذاناً بعدم الحاجة إلى التصريح لظهور جريانهم على موجب الأمر لكونه صادراً عن رأي صائب وقد حذف سبحانه وتعالى أيضاً جملاً أخرى لا تخفى، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلح له وهو للمبالغة في الظهور وليس المراد الأخبار بوقوع الرؤية بل الأنباء بكون الكهف لو رأيته ترى الشمس ‏{‏إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ‏}‏ أي تتنحى وأصله تتزاور بتاءين فحذف أحدهما تخفيفاً وهي قراءة الكوفيين والأعمش‏.‏ وطلحة وابن أبي ليلى‏.‏ وخلف‏.‏ وابن سعدان‏.‏ وأبي عبيدة‏.‏ وأحمد بن جبير الأنطاكي‏.‏ ومحمد بن عيسى الأصبهاني، وقرأ الحرميان‏.‏ وأبو عمرو ‏{‏تَّزَاوَرُ‏}‏ بفتح التاء وتشديد الزاي، وأصله أيضاً تتزاور إلا أنه أدغمت التاء الزاي بعد قلبها زاياً، وقرأ ابن أبي إسحاق‏.‏ وابن عامر‏.‏ وقتادة‏.‏ وحميد‏.‏ ويعقوب عن العمري ‏{‏تزور‏}‏ كتحمر وهو من بناء الأفعال من غير العيوب والألوان، وقد جاء ذلك نادراً‏.‏ وقرأ جابر‏.‏ والجحدري‏.‏ وأبو بجار‏.‏ والسختياني‏.‏ وابن أبي عبلة‏.‏ وردان عن أبي أيوب ‏{‏تزوار‏}‏ كتحمار وهو في البناء كسابقه، وقرأ ابن مسعود‏.‏ وأبو المتوكل ‏{‏تزوئر‏}‏ بهمزة قبل الراء المشددة كتطمئن، ولعله إنما جيء بالهمزة فراراً التقاء الساكنين وإن كان جائزاً في مثل ذلك مما كان الأول حرف مد والثاني مدغماً في مثله وكلها من الزور بفتحتين مع التخفيف وهو الميل، وقيده بعضهم بالخلقى، والأكثرون على الإطلاق ومنه الأزور المائل بعينه إلى ناحية ويكون في غير العين قال ابن أبي ربيعة‏:‏

وجنبي خيفة القرم أزور *** وقال عنترة‏:‏

فازور من وقع القنا بلبانه *** وشكا إلى بعبرة وتحمحم

وقال بشر بن أبي حازم

تؤم بها الحداة مياه نخل *** وفيها عن أبانين ازورار

ومنه زاره إذا مال إليه، والزور أي الكذب لميله عن الواقع وعدم مطابقته، وكذا الزور بمعنى الصنم في قوله‏:‏

جاءوا بزوريهم وجئنا بالأصم *** وقال الراغب‏:‏ إن الزور بتحريك الواو ميل في الزور بتسكينها وهو أعلى الصدر، والأزور المائل الزور أي الصدر وزرت فلاناً تلقيته بزوري أو قصدت زوره نحو وجهته أي قصدت وجهه، والمشهور ما قدمناه، وحكى عن أبي الحسن أنه قال‏:‏ لا معنى لتزور في الآية لأن الأزوار الانقباض، وهو طعن في قراءة ابن عامر ومن معه بما يوجب تغيير الكنية، وبالجملة المراد إذا طلعت تروغ وتميل ‏{‏تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ‏}‏ الذي آووا إليه فالإضافة لأدنى ملابسة ‏{‏ذَاتَ اليمين‏}‏ أي جهة ذات يمين الكهف عنه توجه الداخل إلى قعره أي جانبه الذي يلي المغرب أو جهة ذات يمين الفتية ومآله كسابقه، وهو نصب على الظرفية‏.‏

قال المبرد‏:‏ في المقتضب ذات اليمين وذات الشمال من الظروف المتصرفة كيميناً وشمالاً‏.‏

‏{‏وَإِذَا غَرَبَت‏}‏ أي تراها عند غروبها ‏{‏تَّقْرِضُهُمْ‏}‏ أي تعدل عنهم، قال الكسائي‏:‏ يقال قرضت المكان إذا عدلت عنه ولم تقر به ‏{‏ذَاتَ الشمال‏}‏ أي جهة ذات شمال الكهف أي جانبه الذي يلي المشرق، وقال غير واحد‏:‏ هو من القرض بمعنى القطع تقول العرب‏:‏ قرضت موضع كذا أي قطعته‏.‏ قال ذو الرمة‏:‏

إلى طعن يقرضن أقواز مشرف *** شمالاً وعن إيمانهن الفوارس

والمراد تتجاوزهم ‏{‏وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ‏}‏ أي في متسع من الكهف، وهي على ما قيل من الفجا وهو تباعد ما بين الفخذين يقال رجل افجي وامرأة فجواء، وتجمع على فجاء وفجا وفجوات‏.‏ وحاصل الجملتين أنهم كانوا لا تصيبهم الشمس أصلاً فتؤذيهم وهم في وسط الكهف بحيث ينالهم روح الهواء، ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس، وذلك لأن باب الكهف كما قال عبد الله بن مسلم وابن عطية كان في مقابلة بنات نعش وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأيمن، وهو الذي يلي المغرب، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبه، وتحلل عفونته وتعدل هواه ولاتقع عليهم فتؤذي أجسادهم وتبلي ثيابهم، ولعل ميل الباب إلى جانب المغرب كان أكثر ولذلك وقع التزاور على كهفهم والقرض على أنفسهم؛ وقال الزجاج‏:‏ ليس ذلك لما ذكر بل لمحض صرف الله تعالى الشمس بيد قدرته عن أن تصيبهم على منهاج خرق العادة كرامة لهم وجيء بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ‏}‏ حالاً مبينة لكون ما ذكر أمراً بديعاً كأنه قيل ترى الشمس تميل عنهم يميناً وشمالاً ولا تحوم حولهم مع كونهم في متسع من الكهف معرض لإصابتها لولا أن كفها عنهم كف التقدير، واحتج عليه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك مِنْ ءايَاتِ الله‏}‏ حيث جعل ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى ما ذكر من التزاور والقرض في الطلوع والغروب يميناً وشمالاً، ولا يظهر كونه آية القول السابق ظهوره على قوله فإن كونه آية دالة على كمال قدرة الله تعالى وحقية التوحيد وكرامة أهله عنده سبحانه على هذا أظهر من الشمس في رابعة النهار‏.‏ وكان ذلك قبل سد باب الكهف على ما قيل، وقال أبو علي‏:‏ معنى تقرضهم تعطيهم من ضوئها شيئاً ثم تزول سريعاً وتستد ضوءها فهو كالقرض يسترده صاحبه، وحاصل الجملتين عنده أن الشمس تميل بالغدو عن كهفهم وتصيبهم بالعشيء إصابة خفيفة، ورد بأنه لم يسمع للقرض بهذا المعنى فعل ثلاثي ليفتح حرف المضارعة، واختار بعضهم كون المراد ما ذكر إلا أنه جعل تقرضهم من القرض بمعنى القطع لا بالمعنى الذي ذكره أبو علي لما سمعت وزعم أنه من باب الحذف والإيصال والأصل تقرض لهم وأن المعنى وإذا غربت تقطع لهم من ضوئها شيئاً، والسبب لاختياره ذلك توهمه أن الشمس لو لم تصب مكانهم أصلاً لفسد هواؤه وتعفن ما فيه فيصير ذلك سبباً لهلاكهم وفيه ما فيه، وأكثر المفسرين على أهم لم تصبهم الشمس أصلاً وإن اختلفوا في منشأ ذلك‏.‏

واختار جمع أنه لمحض حجب الله تعالى الشمس على خلاف ما جرت به العادة قالوا‏:‏ والإشارة تؤيد ذلك أتم تأييد والاستبعاد مما لا يلتفت إليه لا سيما فيما نحن فيه فإن شأن أصحاب الكهف كله على خلاف العادة‏.‏

وبعض من ذهب إلى أن المنشأ كون باب الكهف في مقابلة بنات نعش جعل ذلك إشارة إلى إيوائهم إلى كهف هذا شأنه وبعض آخر جعله إشارة إلى حفظ الله تعالى إياهم في ذلك الكهف المدة الطويلة وآخر جعله إشارة إلى إطلاعه سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم على أخبارهم‏.‏ واعترض على الأخيرين بأنه لا يساعدهما إيراد ذلك في تضاعيف القصة، وجعله بعضهم إشارة إلى هدايتهم إلى التوحيد ومخالفتهم قومهم وآباءهم وعدم الاكتراث بهم وبملكهم مع حداثتهم وإيوائهم إلى كهف شأنه ذلك ولا يخلو عن حسن وإليه أميل والله تعالى أعلم‏.‏

وقرىء ‏{‏يقرضهم‏}‏ بالياء آخر الحروف ولعل الضمير عائد على غروب الشمس‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ أي يقرضهم الكهف ‏{‏الله مَن يَهْدِ الله‏}‏ من يدل سبحانه دلالة موصولة إلى الحق ويوفق لما يحبه ويرضاه ‏{‏فَهُوَ المهتد‏}‏ الفائز بالحظ الأوفر في الدارين، والمراد إما الثناء على أصحاب الكهف والشهادة لهم بإصابة المطلوب والإخبار بتحقق ما أملوه من نشر الرحمة وتهيئة المرفق أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المشفع بها من وفقه الله تعالى للتأمل فيها والاستبصار بها فالمراد بمن إما الفتية أو ما يعمهم وغيرهم وفيه ثناء عليهم أيضاً وهو كما ترى‏.‏

وجعله بعضهم ثناء على الله تعالى لمناسبة قوله سبحانه ‏{‏وزدناهم هُدًى‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 13‏]‏ ‏{‏وربطنا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 14‏]‏ وملاءمة قوله عز وجل ‏{‏وَمَن يُضْلِلِ‏}‏ يخلق فيه الضلال لصرف اختياره إليه ‏{‏فَلَن تَجِدَ لَهُ‏}‏ أبداً وإن بالغت في التتبع والاستقصاء ‏{‏وَلِيّاً‏}‏ ناصراً ‏{‏مُّرْشِدًا‏}‏ يهديه إلى الحق ويخلصه من الضلال لاستحالة وجوده في نفسه لا أنك لا تجده مع وجوده أو إكانه إذ لو أريد مدحهم لاكتفى بقوله تعالى ‏{‏فَهُوَ المهتد‏}‏ وفيه أنه لا يطابق المقام والمقابلة لا تنافي المدح بل تؤكده ففيه تعريض بأنهم أهل الولاية والرشاد لأن لهم الولي المرشد، ولعل في الآية صنعة الاحتباك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏وَتَحْسَبُهُمْ‏}‏ بفتح السين‏.‏

وقرأ نافع‏.‏ وابن كثير‏.‏ وأبو عمرو‏.‏ والكسائي بكسرها أي تظنهم، والخطاب فيه كما فيما سبق‏.‏ والظاهر أن هذا إخبار مستأنف وليس على تقدير شيء، وقيل في الكلام حذف والتقدير ولو رأيتهم تحسبهم ‏{‏أَيْقَاظًا‏}‏ جمع يقظ بكسر القاف كانكاد ونكد كما في «الكشاف» وبضمها كأعضاد وعضد كما في «الدر المصون»‏.‏

وفي «القاموس» رجل يقظ كندس وكتف فحكى اللغتين ضم العين وكسرها وهو اليقظان ومدار الحسبان انفتاح عيونهم على هيئة الناظر كما قال غير واحد‏.‏ وقال ابن عطية‏:‏ يحتمل أن يحسب الرائي ذلك لشدة الحفظ الذي كان عليهم وقلة التغير وذلك لأن الغالب على النيام استرخاء وهيآت يقتضيها النوم فإذا لم تكن لنائم يحسبه الرائي يقظان وإن كان مسدود العينين ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في هذا الحسبان‏.‏

وقال الزجاج‏:‏ مداره كثرة تقلبهعم، واستدل عليه بذكر ذلك بعد، وفيه أنه لا يلائمه ‏{‏وَهُمْ رُقُودٌ‏}‏ جمع راقد أي نائم، وما قيل إنه مصدر أطلق على الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود لأن فاعلاً لا يجمع على فعول مردود لأنه نص على جمعه كذلك النحاة كما صرح به في المفصل والتسهيل، وهذا تقرير لما لم يذكر فيما سلف اعتماداً على ذكره السابق من الضرب على آذانهم ‏{‏وَنُقَلّبُهُمْ‏}‏ في رقدتهم كثيراً ‏{‏ذَاتَ اليمين‏}‏ أي جهة تلي أيمانهم ‏{‏وَذَاتَ الشمال‏}‏ أي جهة تلي شمائلهم كيلا تأكل الأرض ما عليها من أبدانهم كما أخرجه سعيد بن منصور‏.‏ وابن المنذر عن ابن جبير، واستبعد ذلك وقال الإمام‏:‏ إنه عجيب فإن الله تعالى الذي قدر على أن يبقيهم أحياء تلك المدة الطويلة هو عز وجل قادر على حفظ أبدانهم أيضاً من غير تقليب، وأجيب بأنه اقتضت حكمته تعالى أن يكون حفظ أبدانهم بما جرت به العادة وإن لم نعلم وجه تلك الحكمة، ويجري نحو هذا فيما قيل في التزاور وأخيه، وقيل يمكن أن يكون تقليبهم حفظاً لما هو عادتهم في نومهم من التقلب يميناً وشمالاً اعتناء بشأنهم‏.‏

وقيل يحتمل أن يكون ذلك إظهاراً لعظيم قدرته تعالى في شأنهم حيث جمع تعالى شأنه فيهم الأنامة الثقيلة المدلول عليها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 11‏]‏ والتقليب الكثير، ومما جرت به العادة أن النوم الثقيل لا يكون فيه تقلب كثير، ولا يخفى بعده‏.‏ واختلف في أوقات تقليبهم فأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا يقلبون في كل ستة أشهر مرة، وأخرج غير واحد عن أبي عياض نحوه، وقيل يقلبون في كل سنة مرة، وذلك يوم عاشوراء، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أن التقليب في التسع سنين الضميمة ليس فيما سواها، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن هذا التقليب في التسع سنين الضميمة ليس فيما سواها، وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن هذا التقليب في رقدتهم الأولى يعني الثلثمائة سنة، وكانوا يقلبون في كل عام مرة ولم يكن في مدة الرقدة الثانية يعني التسع‏.‏

وتعقب الإمام ذلك بأن هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها ولفظ القرآن لا يدل عليها وما جاء فيها خبر صحيح انتهى‏.‏ فظاهر الآية يدل على الكثرة لمكان المضارع الدال على الاستمرار التجددي مع ما فيه من التثقيل، والظاهر أن ‏{‏وَنُقَلّبُهُمْ‏}‏ أخبار مستأنف، وجوز الطيبي بناءً على ما سمعت عن الزجاج كون الجملة في موضع الحال وهو كما ترى، وقرىء ‏{‏ويقلبهم‏}‏ بالباء آخر الحروف مع التشديد والضمير لله تعالى، وقيل للملك‏.‏

وقرأ الحسن فيما حكى الأهوازي في الإقناع ‏{‏ويقلبهم‏}‏ بياء مفتوحة وقاف ساكنة ولام مخففة، وقرأ فيما حكى ابن جني ‏{‏وتقلبهم‏}‏ على المصدر منصوباً، ووجهه أنه مفعول لفعل محذوف يدل عليه ‏{‏مُّرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ‏}‏ أي وترى أو تشاهد تقلبهم، وروي عنه أيضاً أنه قرأ كذلك إلا أنه رفع، وهو على الابتداء كما قال أبو حاتم والخبر ما بعد أو محذوف أي آية عظيمة أو من آيات الله تعالى، وحكى ابن خالويه هذه القراءة عن اليماني وذكر أن عكرمة قرأ ‏{‏وتقلبهم‏}‏ بالتاء ثالثة الحروف مضارع قلب مخففاً، ووجه بأنه على تقدير وأنت تقلبهم وجعل الجملة حالاً من فاعل ‏{‏شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ‏}‏ وفيه إشارة إلى قوة اشتباههم بالإيقاظ بحيث أنهم يحسبون إيقاظاً في حال سبر أحوالهم وقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ‏{‏وَكَلْبُهُمْ‏}‏ الظاهر أنه الحيوان المعروف النباح، وله أسماء كثيرة أفراد لها الجلال السيوطي رسالة، قال كعب الأحبار‏:‏ هو كلب مروا به فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مراراً‏.‏ فقال لهم‏:‏ ما تريدون مني لا تخشوا جانبي أنا أحب أحباء الله تعالى فناموا وأنا أحرسكم، وروي عن ابن عباس أنه كلب راع مروا به فتبع دينهم وذهب معهم وتبعهم الكلب، وقال عبيد بن عمير‏:‏ هو كلب صيد أحدهم، وقيل‏:‏ كلب غنمه؛ ولا بأس في شريعتنا باقتناء الكلب لذلك وأما فيما عداه وما عدا ما ألحق به فمنهي عنه، ففي «البخاري» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد أو ماشية نقص كل يوم من عمله قيراطان، وفي رواية قيراط، واختلف في لونه فأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال‏:‏ قال لي رجل بالكوفة يقال له عبيد وكان لا يتهم بكذب رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء أنبجاني، وأخرج عن كثير النواء قال‏:‏ كان الكلب أصفر، وقيل كان أنمر وروي ذلك عن ابن عباس، وقيل غير ذلك، وفي اسمه فاخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قطمير، وأخرج عن مجاهد أنه قطموراً، وقيل ريان، وقيل ثور، وقيل غير ذلك، وهو في الكبر على ما روي عن ابن عباس فوق القلطي ودون الكردي‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد أنه قال رأيته صغيراً زينياً‏.‏ قال الجلال السيوطي‏:‏ يعني صينياً، وفي التفسير الخازني تفسير القلطي بذلك، وزعم بعضهم أن المراد بالكلب هنا الأسد وهو على ما في «القاموس» أحد معانيه‏.‏

وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم دعا على كافر بقوله‏:‏ اللهم سلط عليه كلباً من كلابك فافترسه أسد وهو خلاف الظاهر، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال‏:‏ قلت لرجل من أهل العلم زعموا أن كلبهم كان أسداً فقال‏:‏ لعمر الله ما كان أسداً ولكنه كان كلباً أحر خرجوا به من بيوتهم يقال‏:‏ له قطموراً وأبعد من هذا زعم من ذهب إلى أنه رجل طباخ لهم تبعهم أو أحدهم قعد عند الباب طليعة لهم، نعم حكى أبو عمرو الزاهدي غلام ثعلب أنه قرىء ‏{‏وكالئهم‏}‏ بهمزة مضمومة بدل الباء وألف بعد الكاف من كلأ إذا حفظ‏.‏ ولا يبعد فيه أن يراد الرجل الربيئة لكن ظاهر القراءة المتواترة يقتضي إرادة الكلب المغروف منه أيضاً وإطلاق ذلك عليه لحفظه ما استحفظ عليه وحراسته إياه‏.‏ وقيل في هذه القراءة إنها تفسير أو تحريف‏.‏ وقرأ جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه ‏{‏وكالبهم‏}‏ بباء موحدة وزنة اسم الفاعل والمراد صاحب كلبهم كما تقول لابن وتامر أي صاحب لبن وتمر وجاء في شأن كلبهم أنه يدخل الجنة يوم القيامة‏.‏ فعن خالد بن معدان ليس في الجنة من الدواب إلا كلب أصحاب الكهف وحمار بلعم، ورأيت في بعض الكتب أن ناقة صالح وكبش إسماعيل أيضاً في الجنة ورأيت أيضاً أن سائر الحيوانات المستحسنة في الدنيا كالظباء والطواويس وما ينتفع به المؤمن كالغنم تدخل الجنة على كيفية تليق بذلك المكان وتلك النشأة وليس فيما ذكر خبر يعول عليه فيما أعلم نعم في الجنة حيوانات مخلوقة فيها، وفي خبر يفهم من كلام الترمذي صحته التصريح بالخيل منها والله تعالى أعلم‏.‏

وقد اشتهر القول بدخول هذا الكلب الجنة حتى أن بعض الشيعة يسمون أبناءهم بكلب على ويؤمل من سمي بذلك النجاة بالقياس الأولوي على ما ذكر وينشد‏:‏

فتية الكهف نجا كلبهم *** كيف لا ينجو غداً كلب على

ولعمري أن قبله علي كرم الله تعالى وجهه كلباً له نجا ولكن لا أظن يقبله لأنه عقور ‏{‏وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ‏}‏ مادهما، والذراع من المرفق إلى رأس الأصبع الوسطى ونصب ‏{‏ذِرَاعَيْهِ‏}‏ على أنه مفعول ‏{‏باسط‏}‏ وعمل مع أنه بمعنى الماضي واسم الفاعل لا يعمل إذا كان كذلك لأن المراد حكاية الحال الماضية‏.‏

وذهب الكسائي‏.‏ وهشام‏.‏ وأبو جعفر بن مضاء إلى جواز عمل اسم الفاعل كيفما كان فلا سؤال ولا جواب ‏{‏بالوصيد‏}‏ بموضع الباب ومحل العبور من الكهف وأنشدوا‏:‏

بأرض فضاء لا يسد وصيدها *** على ومعروفي بها غير منكر

وهو المراد بالفناء في التفسير المروى عن ابن عباس‏.‏ ومجاهد‏.‏ وعطية، وقيل بالعتبة والمراد بها ما يحاذي ذلك من الأرض لا المتعارف، فلا يقال إن الكهف لا باب له ولا عتبة على أنه لا مانع من ذلك‏.‏

وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن جبير أن الوصيد الصعيد وليس بذاك وذكروا في حكمة كونه بالوصيد غيرنا ومعهم أن الملائكة عليهم السلام لا تدخل بيتاً فيه كلب وقد يقال‏:‏ إن ذلك لكونه حارساً كما يشير إليه ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ باسط ذراعيه بالوصيد يمسك عليهم باب الكهف وكان فيما قيل يكسر أذنه اليمنى وينام عليها إذا قلبوا ذات اليمين، ويكسر أذنه اليسرى وينام عليها إذا قلبوا ذات الشمال، والظاهر أنه نام كما ناموا لكن أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حميد المكي أنه جعل رزقه في لحس ذراعيه فإنه كالظاهر أنه لم يستغرق نومه كما استغرق نومهم ‏{‏لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ‏}‏ لو عاينتهم وشاهدتهم وأصل الاطلاع الوقوف على الشيء بالمعاينة والمشاهدة، وقرأ ابن وثاب‏.‏ والأعمش ‏{‏لَوِ اطلعت‏}‏ بضم الواو تشبيهاً لها بواو الضمير فإنها قد تضم إذا لقيها ساكن نحو رموا السهام؛ وروي أن ذلك عن شيبة وأبي جعفر‏.‏

‏{‏لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا‏}‏ أي لأعرضت بوجهك عنهم وأوليتهم كشحك، ونصب ‏{‏فِرَاراً‏}‏ إما على المصدر لوليت إذ التولية، والفرار من واد واحد فهو كجلست قعوداً أو لفررت محذوفاً، وإما على الحالية بتأويله باسم الفاعل أو بجعله من باب فإنما هي إقبال وإدبار، وإما على أنه مفعول لأجله أي لرجعت لأجل الفرار ‏{‏وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا‏}‏ أي خوفاً يملأ الصدر، ونصب على أنه مفعول ثان، ويجوز أن يكون تمييزاً وهو محول عن الفاعل، وكون الخوف يملأ مجاز في عظمه مشهور كما يقال في الحسن إنه يملأ العيون‏.‏

وفي «البحر» أبعد من ذهب إلى أنه تمييز محول عن المفعول كما في قوله تعالى شأنه‏:‏ ‏{‏وَفَجَّرْنَا الارض عُيُوناً‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 12‏]‏ لأن الفعل لو سلط عليه ما تعدى إليه تعدى المفعول به بخلاف ما في الآية، وسبب ما ذكر أن الله عز وجل ألقى عليهم من الهيبة والجلال ما ألقى، وقيل سببه طول شعورهم وأظفارهم وصفرة وجوههم وتغير اطمارهم وقيل‏:‏ إظلام المكان وإيحاشه‏.‏

وتعقب ذلك أبو حيان بأن القولين ليسا بشيء لأنهم لو كانوا بتلك الصفة أنكروا أحوالهم ولم يقولوا

‏{‏لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ ولأن الذي بعث إلى المدينة لم ينكر إلا المعالم والبناء لا حال نفسه ولأنهم بحالة حسنة بحيث لا يفرق الرائي بينهم وبين الإيقاظ وهم في فجوة موصوفة بما مر فكيف يكون مكانهم موحشاً اه‏.‏

وأجيب بأنهم لا يبعد عدم تيقظهم لحالهم فإن القائم من النوم قد يذهب عن كثير من أموره ويدعى استمرار الغفلة في الرسول وإنكاره للمعالم لا ينافي إنكار الناس لحاله وكونه على حالة منكرة لم يتنبه لها، وأيضاً يجوز أنهم لم يطلعوا على حالهم ابتداءً فقالوا‏:‏ ‏{‏لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ ثم تنبهوا له فقالوا‏:‏ ‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏، وأيضاً يجوز أن يكون هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك الحال إنما حدث بعد انتباههم الذي بعثوا فيه رسولهم إلى المدينة‏.‏ وعلى هذا لا يضر عدم إنكار الرسول حال نفسه لأنه لم يحدث له ما ينكر بعد، وإيحاش المكان يجوز أن يكون حدث بعد على هذا أيضاً، وذلك بتغيره بمرور الزمان اه، ولا يخفى على منصف ما في هذه الأجوبة فالذي ينبغي أن يعول عليه أن السبب في ذلك ما ألقى الله تعالى عليهم من الهيبة وهم في كهفهم وأن شعورهم وأظفارهم إن كانت قد طالت فهي لم تطل إلى حد ينكره من يراه، واختار بعض المفسرين أن الله تعالى لم يغير حالهم وهيئتهم أصلاً ليكون ذلك آية بينة، والخطاب هنا كالخطاب فيما سبق، وعلى احتمال أن يكون له صلى الله عليه وسلم يلزم أن يكونوا باقين على تلك الحالة التي توجب فرار المطلع عليهم ومزيد رعبه إلى ما بعد نزول الآية فمن لا يقول به لا يقول به‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذين ذكر الله تعالى في القرآن فقال معاوية‏:‏ لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس‏:‏ ليس ذلك لك قد منع الله تعالى ذلك من هو خير منك فقال‏:‏ ‏{‏لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا‏}‏ فقال معاوية‏:‏ لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث رجالاً وقال‏:‏ اذهبوا فادخلوا الكهف وانظروا فذهبوا فلما دخلوه بعث الله تعالى عليهم ريحاً فأخرجتهم، قيل وكأن معاوية إنما لم يجر على مقتضى كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ظناً منه تغير حالهم عما كانوا عليه أو طلباً لعلمهم مهما أمكن‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب قال‏:‏ كان لي صاحب ماض شديد النفس فمر بجانب الكهف فقال‏:‏ لا أنتهي حتى أنظر إليهم فقيل لهم‏:‏ لا تفعل أما تقرأ ‏{‏لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ‏}‏ الخ فأبى إلا أن ينظر فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره وكان يخبر الناس بأن عدتهم سبعة، وربما يستأنس بمثل هذه الأخبار لوجودهم اليوم بل لبقائهم على تلك الحالة التي لا يستطاع معها الوقوف على أحوالهم وفي ذلك خلاف‏.‏

فحكى السهيلي عن قوم القول به، وعن ابن عباس إنكاره فقد أخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن أبي حاتم عن عكرمة أن ابن عباس غزا مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام فقال رجل هذه عظام أهل الكهف فقال ابن عباس‏:‏ لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة، ولا يخفى ما بين هذا الخبر والخبر السابق عنه بل والآخر أيضاً من المخالفة، والذي يميل القلب إليه عدم وجودهم اليوم وإنهم إن كانوا موجودين فليسوا على تلك الحالة التي أشار الله تعالى إليها وأن الخطاب الذي في الآية لغير معين وأن المراد منها الإخبار عن أنهم بتلك الحالة في ذلك الوقت، وما أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «أصحاب الكهف أعوان المهدي» على تقدير صحته لا يدل على وجودهم اليوم على تلك الحالة وأنه عليه الصلاة والسلام على القول بعموم الخطاب ليس من الأفراد المعينة به لأنه صلى الله عليه وسلم اطلع على ما هو أعظم منهم من ملكوت السموات والأرض، ومن جعله صلى الله عليه وسلم معيناً قال‏:‏ المراد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولمئلت منهم رعباً بحكم جري العادة والطبيعة البشرية وعدم ترتب الجزاء على اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ما هو أعظم منهم أمر خارق للعادة ومنوط بقوة ملكية بل بما هو فوقها أو المراد لو اطلعت عليهم بنفسك من غير أن نطلعك عليهم لوليت منهم فراراً الخ واطلاعه عليه الصلاة والسلام على ما اطلع عليه كان باطلاع الله عز وجل إياه وفرق بين الاطلاعين‏.‏

يحكى أن موسى عليه السلام وجعه بطنه فشكى إلى ربه سبحانه فقال له‏:‏ اذهب إلى نبات كذا في موضع كذا فكل منه فذهب وأكل فذهب ما كان يجد ثم عاوده ذلك بعد سنوات فذهب إلى ذلك النبات فأكل منه فلم ينتفع به فقال يا رب أنت أعلم وجعني بطني في سنة كذا فأمرتني أن أذهب إلى نبات كذا فذهبت فأكلت فانتفعت ثم عاودني ما كنت أجد فذهبت إلى ذلك وأكلت فلم أنتفع فقال سبحانه‏:‏ أتدري يا موسى ما سبب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ لا يا رب قال‏:‏ السبب أنك في المرة الأولى ذهبت منا إلى النبات وفي المرة الثانية ذهبت من نفسك إليه‏.‏

ومما يستهجن من القول ما يحكى عن بعض المتصوفة أنه سمع قارئاً يقرأ هذه الآية فقال‏:‏ لو اطلعت أنا ما وليت منهم فراراً وما ملئت منهم رعباً‏.‏

وما نقل عن بعضهم من الجواب بأن مراد قائله إثبات مرتبة الطفولية لنفسه فإن الطفل لا يهاب الحية مثلاً إذا رآها ولا يفرق بينها وبين الحبل على تقدير تسليم أن مراده ذلك لا يدفع الاستهجان، وذلك نظير قول من قال سبحانه وتعالى لا يعلم الغيب على معنى أنه لا غيب بالنسبة إليه عز وجل ليتعلق به علمه، ولنعم ما قال عمر رضي الله تعالى عنه كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

هذا وقرأ ابن عباس‏.‏ والحرميان‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وابن أبي عبلة ‏{‏وَلَمُلِئْتَ‏}‏ بتشديد اللام والهمزة‏.‏ وقرأ أبو جعفر وشيبة بتشديد اللام وقلب الهمزة ياء‏.‏ وقرأ الزهري بالتخفيف والقلب‏.‏ وقرأ أبو جعفر‏.‏ وعيسى ‏{‏رُعْبًا‏}‏ بضم العين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏وكذلك بعثناهم‏}‏ أي كما أنمناهم هذه الإنامة الطويلة وهي المفهومة مما مر أيقظناهم فالمشبه الإيقاظ والمشبه به الإنامة المشار إليها ووجه الشبه كون كل منهما آية دالة على كمال قدرته الباهرة عز وجل‏.‏

‏{‏لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ‏}‏ أي ليسأل بعضهم بعضاً فيترتب عليه ما فصل من الحكم البالغة وجعله علة للبعث المعلل بما سبق فيما سبق قيل من حيث أنه من أحكامه المترتبة عليه والاقتصار على ذكره لاستتباعه لسائر آثاره، وجعل غير واحد اللام للعاقبة، واستظهره الخفاجي وادعى أن من فعل ذلك لاحظ أن الغرض من فعله تعالى شأنه إظهار كمال قدرته لا ما ذكر من التساؤل فتأمل‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ استئناف لبيان تساؤلهم ‏{‏قَائِلٌ مّنْهُمْ‏}‏ قيل هو كبيرهم مكسلمينا، وقيل صاحب نفقتهم يمليخا ‏{‏كَمْ لَبِثْتُمْ‏}‏ أي كم يوماً أقمتم نائمين، وكأنه قال ذلك لما رأى من مخالفة حالهم لما هو المعتاد في الجملة، وقيل راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك‏:‏ ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي قال بعضهم‏:‏ ‏{‏لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ أو للشك كما قاله غير واحد، والمراد لم نتحقق مقدار لبثنا أي لا ندري أن مدة ذلك هل هي مقدار مدة يوم أو مقدار مدة بعض يوم منه، والظاهر أنهم قالوا ذلك لأن لوثة النوم لم تذهب من بصرهم وبصيرتهم فلم ينظروا إلى الأمارات، وهذا مما لا غبار عليه سواء كان نومهم وانتباههم جميعاً أو أحدهما في النهار أم لا، والمشهور أن نومهم كان غدوة وانتباههم كان آخر النهار، وقيل فلم يدروا أن انتباههم في اليوم الذي ناموا فيه أم في اليوم الذي بعده فقالوا ما قالوا، واعترض بأن ذلك يقتضي أن يكون التردد في بعض يوم ويوم وبعض، ومن هنا قيل إن أو للإضراب، وذلك أنهم لما انتبهوا آخر النهار وكانوا في جوف الغار ولوثة النوم لم تفارقهم بعد قالوا قبل النظر ‏{‏لَبِثْنَا يَوْمًا‏}‏ ثم لما حققوا أن الشمس لم تغرب بعد قالوا‏:‏ ‏{‏أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ وأنت تعلم أن الظاهر أنها للشك والاعتراض مندفع بإرادة ما سمعت منه، نعم هو في ذلك مجاز، وحكى أبو حيان أنها للتفصيل على معنى قال بعضهم‏:‏ لبثنا يوماً، وقال آخرون‏:‏ لبثنا بعض يوم وقول كل مبني على غالب الظن على ما قيل فلا يكون كذباً؛ ولا يخفى أن القول بأنها للتفصيل مما لا يكاد يذهب إليه الذهن، ولا حاجة إلى بناء الأمر على غالب الظن لنفى أن يكون كذباً بناءً على ما ذكرنا من أن المراد لم نتحقق مقداره كما ذكره أهل المعاني في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سلم سهواً من صلاة رباعية فقال له ذو اليدين‏:‏ أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ كل ذلك لم يكن ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي قال بعض آخر منهم استدلالاً أو إلهاماً ‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ‏}‏ أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، وإنما يعلمها الله سبحانه، وهذا رد منهم على الأولين على أحسن ما يكون من مراعاة حسن الأدب؛ وبه كما قيل يتحقق التحزب إلى الحزبين المعهودين فيما سبق، وقيل قائل القولين متحد لكن الحالة مختلفة‏.‏

وتعقب بأنه لا يساعده النظم الكريم فإن الاستئناف في الحكاية والخطاب في المحكي يقضي بأن الكلام جار على منهاج المحاورة والمجاوبة وإلا لقيل ثم قالوا ربنا أعلم بما لبثنا ‏{‏فابعثوا أَحَدَكُمْ‏}‏ أي واحداً منكم ولم يقل واحدكم لإيهامه إرادة سيدكم فكثيراً ما يقال جاء واحد القوم ويراد سيدهم ‏{‏بِوَرِقِكُمْ‏}‏ أي بدراهمكم المضروبة كما هو مشهور بين اللغويين، وقيل الورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة، واستدل عليه بما وقع في حديث عرفجة أنه لما قطع أنفه اتخذ أنفاً من ورق فانتن فاتخذ أنفاً من ذهب فإن الظاهر أنه أطلق فيه الورق على غير المضروب من الفضة، وقول الأصمعي كما حكى عنه القتيبي الورق في الحديث بفتح الراء، والمراد به الورق الذي يكتب فيه لأن الفضة لا تنتن لا يعول عليه والمنتن الذي ذكره لا صحة له، وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر‏.‏ والحسن‏.‏ والأعمش‏.‏ واليزيدي‏.‏ ويعقوب في رواية، وخلف وأبو عبيد‏.‏ وابن سعدان ‏{‏بِوَرِقِكُمْ‏}‏ بإسكان الراء، وقرأ أبو رجاء بكسر الواو وإسكان الراء وإدغام القاف في الكاف، وكذا إسماعيل عن ابن محيصن، وعنه أيضاً أنه قرأ كذلك إلا أنه كسر الراء لئلا يلزم التقاء الساكنين على غير حدة كما في الرواية الأخرى، وبهذا اعترض عليها‏.‏ وأجيب بأن ذلك جائز وواقع في كلام العرب لكن على شذوذ، وقد قرىء ‏{‏نِعِمَّا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 58‏]‏ بسكون العين والادغام، وما قيل إنه لا يمكن التلفظ به قيل عليه إنه سهود وحكى الزجاج أنه قرىء بكسر الواو وسكون الراء من غير إدغام‏.‏ وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه ‏{‏بوارقكم‏}‏ على وزن فاعل جعله اسم جمع كباقر وحامل، ووصف الورق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تَبِيدَ هذه‏}‏ يشعر بأن القائل أحضرها ليناً ولها بعض أصحابه وإشعاره بأنه ناولها إياه بعيد، وفي حملهم لها دليل على أن التأهب لأسباب المعاش لمن خرج من منزله بحمل النفقة ونحوها لا ينافي التوكل على الله تعالى كما في الحديث «اعقلها وتوكل» نعم قال بعض الأجلة‏:‏ إن توكل الخواص ترك الأسباب بالكلية، ومن ذلك ما روي عن خالد بن الوليد من شرب السم، ومشى سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر ودخول تميم في الغار التي خرجت منه نار الحرة ليردها بأمر عمر رضي الله تعالى عنه‏.‏

وقد نص الإمام أحمد‏.‏ وإسحاق‏.‏ وغيرهما من الأئمة على جواز دخول المفاوز بغير زاد وترك التكسب والتطبب لمن قوي يقينه وتوكله، وفسر الإمام أحمد التوكل بقطع الاستشراف باليأس من المخلوقين، واستدل عليه بقول إبراهيم عليه السلام حين عرض له جبريل عليه السلام يوم ألقى في النار وقال له‏:‏ ألك حاجة‏؟‏ أما إليك فلا، وليس طرح الأسباب سبيل توكل الخواص عند الصوفية فقط كما يشعر به كلام بعض الفضلاء بل جاء عن غيرهم أيضاً ‏{‏إلى المدينة‏}‏ المعهودة وهي المدينة التي خرجوا منها قيل وتسمى الآن طرسوس وكان اسمها يوم خرجوا منها أفسوس، وبهذا يجمع بين الروايتين السابقتين، وكان هذا القول صدر منهم إعراضاً عن التعمق في البحث وإقبالاً على ما يهمهم بحسب الحال كما ينبىء عنه الفاء، وذكر بعضهم أن ذلك من باب الأسلوب الحكيم كقوله‏:‏

أتت تشتكي عندي مزاولة القرى *** وقد رأت الضيفان ينحون منزلي

فقلت كأني ما سمعت كلامها *** هم الضيف جدي في قراهم وعجلي

‏{‏فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا‏}‏ أي أحل فإن أهل المدينة كانوا في عهدهم يذبحون للطواغيت كما روى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عباس، وفي رواية أخرى أنهم كانوا يذبحون الخنازير، وقال الضحاك‏:‏ إن أكثر أموالهم كانت مغصوبة فأزكى من الزكاة وأصلها النمو والزيادة وهي تكون معنوية أخروية وحسية دنيوية وأريد بها الأولى لما في توخي الحلال من الثواب وحسن العاقبة، وقال ابن السائب‏.‏ ومقاتل‏:‏ أي أطيب فإن كان بمعنى أحل لأنه يطلق عليه رجع إلى الأول وإن كان بمعناه المتبادر فالزيادة قيل حسية دنيوية، وقال عكرمة‏:‏ أي أكثر‏.‏

وقال يمان بن ريان‏:‏ أي أرخص، وقال قتادة‏:‏ أي أجود وهو أجود، وعليه وكذا على سابقيه على ما قيل تكون الزيادة حسية دنيوية أيضاً زعم بعضهم أنهم عنوا بالأزكى الأرز وقيل التمر وقيل الزبيب، وحسن الظن بالفتية يقتضي أنهم تحروا الحلال، والنظر يحتمل أن يكون من نظر القلب وأن يكون من نظر العين، وأي استفهام مبتدأ و‏{‏أزكى‏}‏ خبره والجملة معلق عنها الفعل للاستفهام‏.‏

وجوز أن يكون أي موصولاً مبنياً مفعولاً لينظر و‏{‏أزكى‏}‏ خبر مبتدأ محذوف هو صدر الصلة وضمير أيها إما للمدينة والكلام على تقدير مضاف أي أي أهلها وإما للمدينة مراداً بها أهلها مجازاً، وفي الكلام استخدام ولا حذف، وإما لما يفهم من سياق الكلام كأنه قيل فلينظر أي الأطعمة أو المأكل أزكى طعاماً ‏{‏فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ‏}‏ أي من ذلك الأزكى طعاماً فمن لابتداء الغاية أو التبعيض، وقيل الضمير للورق فيكون من للبدل، ثم إن الفتية إن لم يكن تحروا الحلال سابقاً فليكن مرادهم بالرزق هنا الحلال وإن لم يكن مختصاً به عندنا‏.‏

واستدل بالآية وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يعلم منه ما فيه على صحة الوكالة والنيابة‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ وهي أقوى آية في ذلك وفيها كما قال الكيا دليل على جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن تفاوتوا في الأكل نعم لا بأس للأكول أن يزيد حصته من الدراهم ‏{‏وَلْيَتَلَطَّفْ‏}‏ أي وليتكلف اللطف في المعاملة كيلا تقع خصومة تجر إلى معرفته أو ليتكلف اللطف في الاستخفاء دخولاً وخروجاً، وقيل ليتكلف ذلك كي لا يغبن فيكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا‏}‏ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى شعور أحد من أهل المدينة بكم تأسيساً على هذا وهو على الأولين تأكيد للأمر بالتلطف وتفسيره بما ذكر من باب الكناية نحو لا أرينك ههنا وفسره الإمام بلا يخبرن بكم أحداً فهو على ظاهره، وقرأ الحسن ‏{‏وَلْيَتَلَطَّفْ‏}‏ بكسر لام الأمر، وعن قتيبة الميال ‏{‏وَلْيَتَلَطَّفْ‏}‏ بضم الياء مبنياً للمفعول‏.‏ وقرأ هو وأبو صالح‏.‏ ويزيد بن القعقاع ‏{‏وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا‏}‏ ببناء الفعل للفاعل ورفع أحد على أنه الفاعل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏أَنَّهُمْ‏}‏ تعليل لما سبق من الأمر والنهي والضمير للأهل المقدر في ‏{‏أيها‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ أو للكفار الذي دل عليه المعنى على ما اختاره أبو حيان، وجوز أن يعود على ‏{‏أَحَدٌ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ لأنه عام فيجوز أن يجمع ضميره كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 47‏]‏‏.‏

‏{‏إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ‏}‏ أي يطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم أو يظفروا بكم، وأصل معنى ظهر صار على ظهر الأرض، ولما كان ما عليها يشاهد ويتمكن منه استعمل تارة في الاطلاع، وتارة في الظفر والغلبة وعدى بعلي، وقرأ زيد بن علي ‏{‏يَظْهَرُواْ‏}‏ بضم الياء مبنياً للمفعول ‏{‏يَرْجُمُوكُمْ‏}‏ إن لم تفعلوا ما يريدونه منكم وثبتم على ما أنتم عليه، والظاهر أن المراد القتل بالرجم بالحجارة، وكان ذلك عادة فيما سلف فيمن خالف في أمر عظيم إذ هو أشفى للقلوب وللناس فيه مشاركة، وقال الحجاج‏:‏ المراد الرجم بالقول أي السب، وهو للنفوس الأبية أعظم من القتل ‏{‏أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ‏}‏ أي يصيروكم إليها ويدخلوكم فيها مكرهين، والعود في الشيء بهذا المعنى لا يقتضي التبس به قبل، وروي هذا عن ابن جبير، وقيل العود على ظاهره، وهو رجوع الشخص إلى ما كان عليه، وقد كان الفتية على ملة قومهم أولاف، وإيثار كلمة في على كلمة إلى، قال بعض المحققين للدلالة على الاستقرار الذي هو أشد كراهة، وتقديم احتمال الرجم على احتمال الإعادة لأن الظاهر من حالهم هو الثبات على الدين المؤدي إليه، وضمير الخطاب في المواضع الأربعة للمبالغة في حمل المبعوث على ما أريد منه والباقين على الاهتمام بالتوصية فإن إمحاض النصح أدخل في القبول واهتمام الإنسان بشأن نفسه أكثر وأوفر‏.‏

‏{‏وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا‏}‏ أي إن دخلتم فيها حقيقة ولو بالكره والإلجاء لن تفوزوا بخير لا في الدنيا ولا في الآخرة، ووجه الارتباط على هذا أن الإكراه على الكفر قد يكون سبباً لاستدراج الشيطان إلى استحسانه والاستمرار عليه، وبما ذكر سقط ما قيل إن إظهار الكفر بالإكراه مع إبطان الإيمان معفو في جميع الأزمان فكيف رتب عليه عدم الفلاح أبداً، ولا حاجة إلى القول بأن إظهار الكفر مطلقاً كان غير جائز عندهم، ولا إلى حمل ‏{‏يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ‏}‏ على يميلوكم إليها بالإكراه وغيره فتدبر، ثم إن الفتية بعثوا أحدهم وكان على ما قال غير واحد يمليخا فكان ما أشار الله تعالى إليه بقوله سبحانه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ‏}‏ أي كما أنمناهم وبعثناهم فالإشارة إلى الإنامة والبعث والإفراد باعتبار ما ذكر ونحوه‏.‏

وقال العز بن عبد السلام في أماليه‏:‏ الإشارة إلى البعث المخصوص وهو البعث بعد تلك الإنامة الطويلة، وأصل العثور كما قال الراغب السقوط للوجه يقال عثر عثوراً وعثاراً إذا سقط لوجهه، وعلى ذلك قولهم في المثل الجواد لا يكاد يعثر، وقولهم من سلك الجدد أمن العثار ثم تجوز به في الاطلاع على أمر من غير طلبه‏.‏

وقال الإمام المطرزي‏:‏ لما كان كل عاثر ينظر إلى موضع عثرته ورد العثور بمعنى الاطلاع والعرفان فهو في ذلك مجاز مشهور بعلاقة السببية وإن أوهم ذكر اللغويين له أنه حقيقة في ذلك، وجعله الغوري حقيقة في الاطلاع على أمر كان خفياً وأمر التجوز على حاله، ومفعول ‏{‏أَعْثَرْنَا‏}‏ الأول محذوف لقصد العموم أي وكذلك أطلعنا الناس عليهم‏.‏

وقال أبو حيان‏:‏ أهل مدينتهم ‏{‏لِيَعْلَمُواْ‏}‏ أي الذين أطلعناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم العجيبة ‏{‏إِنَّ وَعْدَ الله‏}‏ أي وعده سبحانه وتعالى بالبعث على أن الوعد بمعناه المصدري ومتعلقه مقدر أو موعوده تعالى شأنه الذي هو البعث على أن المصدر مؤول باسم المفعول المراد موعوده المعهود، ويجوز أن يراد كل وعده تعالى أو كل موعوده سبحانه ويدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً ‏{‏حَقّ‏}‏ صادق لا خلاف فيه أو ثابت متحقق سيقع ولا بد قيل لأن نومهم الطويل المخالف للمعتاد وانتباههم كالموت والبعث‏.‏

‏{‏وَأَنَّ الساعة‏}‏ أي القيامة التي هي في لسان الشرع عبارة عن وقت بعث الخلائق جميعاً للحساب والجزاء‏.‏

‏{‏لاَ رَيْبَ فِيهَا‏}‏ أي ينبغي أن لا يرتاب الآن في إمكان وقوعها لأنه لا يبقى بيد المرتابين في ذلك بعد النظر والبحث سوى الاستناد إلى الاستبعاد وعلمهم بوقوع ذلك الأمر الغريب والحال العجيب الذي لو سمعوه ولم يتحققوا وقوعه لاستبعدوه وارتابوا فيه ارتيابهم في ذلك يكسر شوكة ذلك الاستبعاد ويهدم ذلك الاستناد فينبغي حينئذٍ أن لا يرتابوا‏.‏

وقال بعض المحققين في توجيه ترتب العلم بما ذكر على الطلاع‏:‏ إن من شاهد أنه جل وعلا توفى نفوسهم وأمسكها ثلثمائة سنة وأكثر حافظاً أبدانها من التحلل والتفتت ثم أرسلها إليها لا يبقى معه شائبة شك في أن وعده تعالى حق وأنه تعالى يبعث من في القبول فيرد عليهم أرواحهم فيحاسبهم ويجازيهم بحسب أعمالهم اه‏.‏

وأنت تعلم أن في استفادة العلم بالمحاسبة والمجازاة من الاطلاع على حال القوم نظراً‏.‏ واعترض بأن المطلوب في البعث إعادة الأبدان بعد تفرق أجزائها وما في القصة طول حفظ الأبدان وأين هذا من ذاك‏؟‏ والقول بأنه متى صح طول حفظ الأبدان المحتاجة إلى الطعام والشراب صح قدرته سبحانه على إعادتهما بعد تفرق أجزائها بطريق الأولى غير مسلم‏.‏

وأجيب بأن طول الحفظ المذكور يدل على قدرته تعالى على ما ذكر بطريق الحدس فليتدبر‏.‏

ولعل الأظهر توجيه الترتب بما ذكره أولا، وتوضيحه أن حال الفتية حيث ناموا في تلك المدة المديدة والسنين العديدة وحبست عن التصرف نفوسهم وتعطلت مشاعرهم وحواسهم من غير تصاعد أبخرة شراب وطعام أو نزول علل وأسقام وحفظت أبدانهم عن التحلل والتفتت وأبقيت على ما كانت عليه من الطراوة والشباب في سالف الأعوام حتى رجعت الحواس والمشاعر إلى حالها وأطلقت النفوس من عقالها وأرسلت إلى تدبير أبدانها والتصرف في خدامها وأعوانها فرأت الأمر كما كان والأعوام هم الأعوان ولم تنكر شيئاً عهدته في مدينتها ولم تتذكر طول حبسها عن التصرف في سرير سلطنتها، وحال الذي يقومون من قبورهم بعدما تعطلت مشاعرهم وحبست نفوسهم ثم لما أطلقت وجدت ربوعاً عامرة ومنازل كأنها لم تكن دائرة قائلين قبل أن يشكر عن أنيابه العنا من بعثنا من مرقدنا في الغرابة من صقع واحد ولا ينكر ذلك إلا جاهل أو معاند، ووقوع الأول يزيل الارتياب في إمكان وقوع الثاني حيث كان مستنداً إلى الاستبعاد في الحقيقة كما سمعت فيما قبل لبطلان أدلة النافين للحسر الجسماني، نعم في ترتب العلم بأن البعث سيقع لا محالة على نفس الاطلاع على حال الفتية خفاء فإن الظاهر أن العلم المذكور إنما يترتب على إخبار الصادق بوقوعه وعلى إمكانه في نفسه لكن لما كان الاطلاع المذكور سبباً للعلم بالإمكان وكان كالجزء الأخير من العلة بالنسبة للكفار الذين بلغهم خبر الصادق قيل يترتب العلم بذلك عليه، وكذا في ترتب العلم بأن كل ما وعده الله تعالى حق على نفس الاطلاع خفاء ولم أر من تعرض لتوجيهه من الفضلاء فتأمل، ثم لا يخفى أن ذكر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا‏}‏ بعد قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ‏}‏ على التفسير الذي سمعت مما لا غيار عليه وليس ذلك من ذكر الإمكان بعد الوقوع ليلغو كما زعمه من زعمه‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إن الظاهر أن يفسر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ‏}‏ بأن كل ما وعده سبحانه متحقق ويجعل قوله تاعلى‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا‏}‏ تخصيصاً بعد تعميم على معنى لا ريب في تحققها وهو وجه في الآية إة أن في دعوى الظهور مقالاً فلا تغفل ‏{‏إِذْ يتنازعون‏}‏ ظرف لأعثرنا عليهم قدم عليه الغاية إظهاراً لكمال العناية بكذرها‏.‏ وجوز أبو حيان‏.‏ وأبو البقاء‏.‏ وغيرهما كونه ظرفاً ‏{‏لِيَعْلَمُواْ‏}‏ وتعقب بأنه يدل على أن التنازع يحدث بعد الاعثار مع أنه ليس كذلك، وبأن التنازع كان قبل العلم وارتفع به فكيف يكون وقته وقته؛ وللمناقشة في ذلك مجال‏.‏

وجوز أن يكون ظرفاً لحق أو لوعد وهو كنا ترى‏.‏ وأصل التنازع التجاذب ويعبر به عن التخاصم، وهو باعتبار أصل معناه يتعدى بنفسه وباعتبار التخاصم يتعدى بفي كقوله تعالى ‏{‏فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 59‏]‏ وضمير ‏{‏يتنازعون‏}‏ لما عاد عليه ضمير ‏{‏لِيَعْلَمُواْ‏}‏ أي وكذلك أعثرنا على أصحاب الكهف الناس أو أهل مدينتهم حين يتنازعون ‏{‏بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ‏}‏ ويتخاصمون فيه ليرتفع الخلاف ويتبين الحق، وضمير ‏{‏أَمَرَهُمْ‏}‏ قيل عائد أيضاً على مفعول ‏{‏أَعْثَرْنَا‏}‏ والمراد بالأمر البعث، ومعنى إضافته إليهم اهتمامهم بشأنه والوقوف على حقيقة حاله‏.‏

وقد اختلفوا فيه فمن مقربه وجاحد وقائل يقول تبعث الأرواح دون الأجساد وآخر يقول ببعثهما معا كما هو المذهب الحق عند المسلمين‏.‏ روي أنه بعد أن ضرب الله تعالى على آذان الفتية ومضى دهر طويل لم يبق أحد من أمتهم الذين اعتزلوهم وجاء غيرهم وكان ملكهم مسلماً فاختلف أهل مملكته في أمر البعث حسبما فصل فشق ذلك على الملك فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد ثم دعا الله عز وجل فقال‏:‏ أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم فقيض الله تعالى راعى غنم أدركه المطر فلم يزل يعالج ما سد به دقيانوس باب الكهف حتى فتحه وأدخل غنمه فلما كان الغد بعثوا من نومعم فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعاماً فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ورأي الإيمان ظاهراً بالمدينة فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً فلما نظر الورق أنكرها حيث كانت من ضرب دقيانوس كأنها اخفاف الربع فاتهمه بكنز وقال‏:‏ لتدلني عليه أو لأرفعنك إلى الملك فقال‏:‏ هي من ضرب الملك أليس ملككم فلاناً‏؟‏ فقال الرجل‏:‏ لا بل ملكنا فلان وكان اسمه يندوسيس فاجتمع الناس وذهبوا به إلى الملك وهو خائف فسأله عن شأنه فقص عليه القصة وكان قد سمع أن فتية خرجوا على عهد دقيانوس فدعا مشيخة أهل مدينته وكان رجل منهم عنده أسماؤهم وأنسابهم فسأله فأخبره بذلك وسأل الفتى فقال‏:‏ صدق ثم قال الملك‏:‏ أيها الناس هذه آية بعثها الله تعالى لكم ثم خرج هو وأهل المدينة ومعهم الفتى فلما رأى الملك الفتية اعتنقهم وفرح بهم ورآهم جلوساً مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فتكلموا معه وأخبروه بما لقوا من دقيانوس فبينما هم بين يديه قالوا له‏:‏ نستودعك الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله تعالى حفظك الله تعالى وحفظ ملكك ونعيذك بالله تعالى من شر الإنس والجن ثم رجعوا إلى مضاجعهم فتوفاهم الله تعالى فقام الملك إليهم وجعل ثيابه عليهم وأمر أن يجعل كل منهم في تابوت من ذهب فلما كان الليل ونام أتوه في المنام فقالوا‏:‏ أردت أن تجعل كلا منا في تابوت من ذهب فلا تفعل ودعنا في كهفنا فمن التراب خلقنا وإليه نعود فجعلهم في توابيت من ساج وبنى على باب الكهف مسجداً‏.‏

ويروى أن الفتى لما أتى به إلى الملك قال‏:‏ من أنت‏؟‏ قال‏:‏ أنا رجل من أهل هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواماً لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية قد فقدوا في الزمان الأول وأن أسماءهم مكتوبة على لوح في الخزانة فدعا باللوح ونظر في أسمائهم فإذا هو من أولئك القوم فقال الفتى‏:‏ وهؤلاء أصحابي فركب القوم ومن معه فلما أتوا باب الكهف قال الفتى‏:‏ دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم فإنهم إذا رأوكم معي رعبوا فدخل فبشرهم وقبض الله تعالى أرواحهم وعمي على الملك ومن معه أثرهم فلم يهتدوا إليهم فبنوا عليهم مسجداً وكان وقوفهم على حالهم باخبار الفتى وقد اعتمدوا صدقه وهذا هو المراد بالاعثار عليهم، وروي غير ذلك، وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏أَمَرَهُمْ‏}‏ للفتية والمراد بالأمر الشأن والحال الذي كان قبل الاعثار أي وكذلك أعثرنا الناس على أصحاب الكهف حين تذاكرهم بينهم أمرهم وما جرى لهم في عهد الملك الجبار من الأحوال والأهوال، ولعلهم قد تلقوا ذلك من الأساطير وأفواه الرجال لكنهم لم يعرفوا هل بقوا أحياء أم حل بهم الفناء، والفاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَالُواْ ابنوا‏}‏ بناء على القول الأول فصيحة بلا ريب على دأب اخصارات القرآن كأنه قيل‏:‏ وكذلك اعثرنا الناس على أصحاب الكهف حين تنازعهم في أمر البعث فتحققوا ذلك وعلموا أن هؤلاء آية من آياتنا فتوفاهم الله تعالى بعد أن حصل الغرض من الاعثار فقالوا ‏{‏ابنوا‏}‏ إلى آخره، وكذلك على القول الثاني كأنه قيل وكذلك اعثرنا الناس على أصحاب الكهف حين تذاكرهم أمرهم وما جرى لهم في عهد الملك الجبار ولم يكونوا عارفين بما هم عليه فوقفوا من أحوالهم على ما وقفوا واتضح لهم ما كانوا قد جهلوا فتوفاهم الله تعالى بعد أن حصل الغرض من الاعثار فقالوا ‏{‏ابنوا‏}‏ إلى آخره أي قال بعضهم ابنوا ‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ أي على باب كهفهم ‏{‏بنيانا‏}‏ نصب على أنه مفعول به، وهو كما قال الراغب واحد لا جمع له، وقالوا أبو البقاء‏:‏ هو جمع بنيانة كشعير وشعيرة، وقيل‏:‏ هو نصب على المصدرية، وهذا القول من البعض عند بعض كان عن اعتناء بالفتية وذلك أنهم ضنوا بتربهم فطلبوا البناء على باب كهفهم لئلا يتطرق الناس إليهم‏.‏

وجوزوا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏}‏ بعد القول بأنه اعتراض أن يكون من كلام المتنازعين المعثرين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم ومدة لبثهم فلما لم يهتدوا إلى حقيقة ذلك فوضوا العلم إلى الله تعالى علام الغيوب، وأن يكون من كلامه سبحانه ردا للخائضين في أمرهم إما من المعثرين أو ممن كان في عهده صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وحينئذ يكون فيه التفات على أحد المذهبين، وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏أَمَرَهُمْ‏}‏ للفتية والمراد بالأمر الشأن والحال الذي كان بعد الإعثار على أن المعنى إذ يتنازعون بينهم تدبير أمرهم وحالهم حين توفوا كيف يفعلون بهم وبماذا يجعلون قدرهم أو إذ يتنازعون بينهم أمرهم من الموت والحياة حيث خفي عليهم ذلك بعد الاعثار فلم يدروا هل ماتوا أو ناموا كما في أول مرة، وعلى هذا تكون ‏{‏إِذْ‏}‏ معمولا لا ذكر مضمراً أو ظرفاً لقوله تاعلى‏:‏ ‏{‏قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا‏}‏ ويكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَقَالُواْ‏}‏ معطوفاً على ‏{‏يتنازعون‏}‏ وإيثار صيغة الماضي للدلالة على أن هذا القول ليس مما يستمر ويتجدد كالتنازع‏.‏

وصرح بعض الأجلة أن الفاء على أول المعنيين للتعقيب وعلى ثانيهما فصيحة كأنه قيل‏:‏ اذكر حين يتنازعون في أنهم ماتوا أو ناموا ثم فرغوا من التنازع في ذلك واهتموا باجلال قدرهم وتشهير أمرهم فقالوا‏:‏ ‏{‏ابنوا‏}‏ إلى آخره، وذكر الزمخشري احتمال كون ضمير ‏{‏أَمَرَهُمْ‏}‏ للمعثرين وان المراد من أمرهم أمر دينهم وهو البعث واحتمال كون الضمير للفتية، والمعنى حينئذ إذ يتذاكر الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم وما أظهر الله تعالى من الآية فيهم أو إذ يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم، وجعل إذ في الأوجه ظرفاً لأعثرنا‏.‏ وذكر صاحب الكشف أن الفاء على الأول فصيحة لا محالة وعلى الأخيرين للتعقيب، أما على الثاني منهما فظاهر، وأما على الأول فلأنهم لما تذاكروا قصتهم وحالهم وما أظهر الله تعالى من الآية فيهم قالوا‏:‏ دعوا ذلك وابنوا عليهم بنياناً أي خذوا فيما هو أهم إلى آخر ما قال، واحتمال جعل الفاء فصيحة على هذا الأول غير بعيد، وتعلق الظرف بأعثرنا على الوجهين الأخيرين وكذا على ما نقلناه آنفاً ليس بشيء لأن اعثارهم ليس في وقت التنازع فيما ذكر بل قبله‏.‏

وجعل وقت التنازع ممتداً يقع في بعضه الاعثار وفي بعضه التنازع تعسف لا يخفى مع أنه لا مخصص لإضافته إلى التنازع وهو مؤخر في الوقوع‏.‏ وحكى في البحر أن ضمير ‏{‏لِيَعْلَمُواْ‏}‏ عائد على أصحاب الكهف، والمراد اعتثرنا عليهم ليزدادوا علماً بأن وعد الله حق إلى آخره، وجعل ذلك غاية للاعثار بواسطة وقوفهم بسببه على مدة لبثهم بما تحققوه من تبدل القرون، وجعل ‏{‏إِذْ يتنازعون‏}‏ على هذا ابتداء أخبار عن القوم الذين بعثوا في عهدهم، وخص الأمر المتنازع فيه بأمر البناء والمسجد، ويختار حينئذ تعلق الظرف باذكر، ولا يخفى أن جعل ذلك الضمير للفتية وإن دعا لتأويل يعلموا بما سمعت ليس ببعيد الإرادة من النظم الكريم إذا قطع النظر عن الأمور الخارجية كالآثار، ولم يذهب أحد فيما اعلم إلى احتمال كون الضمائر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ يتنازعون بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ‏}‏ عائدة على الفتية كضمير يعلموا، و‏{‏إِذْ‏}‏ ظرف ‏{‏أَعْثَرْنَا‏}‏ والمراد بالأمر المتنازع مقدار زمن لبثهم وتنازعهم فيه قول بعضهم

‏{‏لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ وقول الآخر رداً عليه ‏{‏رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 19‏]‏ وحيث لم ينصح الحال ولم يحصل الإجماع على مقدار معلوم كان التنازع في حكم الباقي فكان زمانه ممتداً فصح أن يكون ظرفاً للاعثار وضمير ‏{‏فَقَالُواْ‏}‏ للمعثرين والفاء فصيحة أي وكذلك أعثرنا الناس على الفتية وقت تنازعهم في مدة لبثهم ليزدادوا علماً بالبعث فكان ما كان وصار لهم بين الناس شأن أي شأن فقالوا‏:‏ ‏{‏ابنوا‏}‏ إلى آخره‏.‏

وكأن ذلك لما فيه من التكلف مع عدم مساعدة الآثار إياه، ثم ما ذكر من احتمال كون ‏{‏رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏}‏ من كلامه سبحانه جيء به لرد المتنازعين من المعثرين لا يخلو عن بعد، وإما الاحتمال الأخير فبعيد جداً، والظاهر أنه حكاية عن المعثرين وهو شديد الملاءمة جداً لكون التنازع في أمرهم من الموت والحياة، والذي يقتضيه كلام كثير من المفسرين أن غرض الطائفتين القائلين ‏{‏ابنوا‏}‏ إلى آخره والقائلين ‏{‏لَنَتَّخِذَنَّ‏}‏ إلى آخره تعظيمهم وإجلالهم، والمراد من الذين غلبوا على أمرهم كما أخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن أبي حاتم عن قتادة الولاة، ويلائمه ‏{‏لَنَتَّخِذَنَّ‏}‏ دون اتخذوا بصيغة الطلب المعبر بها الطائفة الأولى فإن مثل هذا الفعل تنسبه الولاة إلى أنفسها، وضمير ‏{‏أَمَرَهُمْ‏}‏ هنا قيل للموصول المراد به الولاة، ومعنى غلبتهم على أمرهم أنهم إذا أرادوا أمراً لم يتعسر عليهم ولم يحل بينه وبينهم أحد كما قيل‏.‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 21‏]‏‏.‏

وذكر بعض الأفاضل أن الضمير لأصحاب الكهف، والمراد بالذين غلبوا قيل الملك المسلم، وقيل أولياء أصحاب الكهف؛ وقيل رؤساء البلد لأن من له الغلبة في هذا النزاع لا بد أن يكون أحد هؤلاء، والمذكور في القصة أن الملك جعل على باب الكهف مسجداً وجعل له في كل سنة عيداً عظيماً‏.‏ وعن الزجاج أن هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث لأن المساجد إنما تكون للمؤمنين به انتهى‏.‏

ويبعد الأول التعبير بما يدل على الجمع، والثاني إن أريد من الأولياء الأولياء من حيث النسب كما في قولهم أولياء المقتول أنه لم يوجد في أثر أن لأصحاب الكهف حين بعثوا أولياء كذلك‏.‏ وفسر غير واحد الموصول بالملك والمسلمين ولا بعد في إطلاق الأولياء عليهم كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏المؤمنين والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 71‏]‏ ويدل هذا على أن الطائفة الأولى لم تكن كذلك، وقد روي أنها كانت كافرة وأنها أرادت بناء بيعة أو مصنع لكفرهم فمانعهم المؤمنون وبنوا عليهم مسجداً‏.‏ وظاهر هذا الخبر أن المسجد مقابل البيعة، وما أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير من أن الملك بنى عليهم بيعة فكتب في أعلاها أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين ظاهر في عدم المقابلة، ولعله الحق لأنه لا يصح أن يراد بالمسجد هنا ما يطلق عليه اليوم من مصلي المحمديين بل المراد به معبد المؤمنين من تلك الأمة وكانوا على ما سمعت أولا نصارى وإن كان في المسألة قول آخر ستسمعه إن شاء الله تعالى قريباً ومعبدهم يقال له بيعة، وظاهر ما تقدم أن المسجد اتخذ لأن يعبد الله تعالى فيه من شاء وأخرج أبو حاتم عن السدى أن الملك قال‏:‏ لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً فلأعبدن الله تعالى فيه حتى أموت، وعن الحسن أنه اتخذ ليصلي فيه أصحاب الكهف إذا استيقظوا، وهذا مبني على أنهم لم يموتوا بل ناموا كما ناموا أولاً وإليه ذهب بعضهم بل قيل إنهم لا يموتون حتى يظهر المهدي ويكونوا من أنصاره ولا معول على ذلك وهو عندي أشبه شيء بالخرافات‏.‏ ثم لا يخفى أنه على القول بأن الطائفة الأولى الطالبة لبناء البنيان عليهم إذا كانت كافرة لم تكن غاية الاعثار متحققة في جميع المعثرين، ولا يتعين كون ‏{‏رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏}‏ مساقاً لتعظيم أمر أصحاب الكهف، ولعل تلك الطائفة لم تتحقق حالهم وأنهم ناموا تلك المدة ثم بعثوا فطلبت انطماس الكهف عليهم وأحالت أمرهم إلى ربهم سبحانه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال‏.‏ وقرأ الحسن‏.‏ وعيسى الثقفي ‏{‏غَلَبُواْ‏}‏ بضم الغين وكسر اللام على أن الفعل مبني للمفعول، ووجه بذلك بأن طائفة من المؤمنين المعثرين أرادت أن لا يبني عليهم شيء ولا يتعرض لموضعهم وطائفة أخرى منهم أرادت البناء وأن لا يطمس الكهف فلم يمكن للطائفة الأولى منعها ووجدت نفسها مغلوبة فقالت‏:‏ إن كان بنيان ولا بد فلنتخذن عليهم مسجداً‏.‏

هذا واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة في ذلك‏.‏ وممن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي وهو قول باطل عاطل فاسد كاسد، فقد روي أحمد‏.‏ وأبو داود‏.‏ والترمذي‏.‏ والنسائي‏.‏ وابن ماجه عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لعن الله تعالى زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» ومسلم «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» واحمد عن أسامة وهو الشيخان‏.‏

والنسائي عن عائشة، ومسلم عن أبي هريرة‏:‏ ‏"‏ لعن الله تعالى اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ‏"‏ وأحمد‏.‏ والشيخان‏.‏ والنسائي ‏"‏ إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق يوم القيامة ‏"‏ وأحمد‏.‏ والطبراني ‏"‏ إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد ‏"‏ وعبد الرزاق ‏"‏ من شرار أمتي من يتخذ القبور مساجد ‏"‏ وأيضاً ‏"‏ كانت بنوا اسرائيل اتخذوا القبور مساجد فلعنهم الله تعالى ‏"‏ إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة‏.‏

وذكر ابن حجر في الزواجر أنه وقع في كلام بعض الشافعية عد اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر، وكأنه أخذ ذلك مما ذكر من الأخاديث، ووجه اتخاذ القبر مسجداً واضح لأنه عليه الصلاة والسلام لعن من فعل ذلك في قبور الأنبياء عليهم السلام وجعل من فعل ذلك بقبور الصلحاء شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ففيه تحذير لنا، واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه أو إليه وحينئذ يكون قوله والصلاة إليها مكرراً إلا أن يراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط، نعم إنما يتجه هذا الأخذ إن كان القبر قبر معظم من نبي أو ولي كما أشارت إليه رواية‏:‏ «إذا كان فيهم الرجل الصالح» ومن ثم قال أصحابنا‏:‏ تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً فاشترطوا شيئين أن يكون قبر معظم وأن يقصد الصلاة إليها، ومثل الصلاة عليه التبرك والاعظم، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث، وكأنه قاس عليه كل تعظيم للقبر كإيقاد السرج عليه تعظيماً له وتبركاً به والطواف به كذلك وهو أخذ غير بعيد سيما وقد صرح في بعض الأحاديث المذكورة بلعن من اتخذ على القبر سراجاً فيحمل قول الأصحاب بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيماً وتبركاً بذي القبر‏.‏

وقال بعض الحنابلة‏:‏ قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به عين المحادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإبداع دين لم يأذن به الله عز وجل للنهي عنها ثم إجماعاً فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد أو بناؤها عليها، وتجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك وأمر بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ولانذره اه‏.‏

وفي المنهاج وشرحه للعلامة المذكور ويكره تجصيص القبر والبناء عليه في حريمه وخارجه في غير المسبلة إلا إن خشى نبش أو حفر سبع أو هدم سيل ويحرم البناء في المسبلة، وكذا تكره الكتابة عليه للنهي الصحيح عن الثلاثة سواء كتابة اسمه وغيره في لوح عند رأسه أو في غيره، نعم بحث الأذرعي حرمة كاتبة القرآن لتعريضه للامتهان بالدوس والتنجيس بصديد الموتى عند تكرر الدفن ووقوع المطر، وندب كتابة اسمه لمجرد التعريف به على طول السنين لا سيما قبور الأنبياء والصالحين لأنه طريق للاعلام المستحب‏.‏

ولما روي الحاكم النهي قال‏:‏ ليس العمل عليه الآن فإن أئمة المسلمين من المشرق والمغرب مكتوب على قبورهم فهو عمل أخذ به الخلف عن السلف‏.‏ ويرد بمنع هذه الكلية وبفرضها فالبناء على قبورهم أكثر من الكتابة عليها في المقابر المسبلة كما هو مشاهد لا سيما بالحرمين ومصر ونحوها وقد علموا بالنهي عنه فكذا هي، فإن قلت‏:‏ هو إجماع فعلى فهو حجة كما صرحوا به قلت‏:‏ ممنوع بل هو أكثري فقط إذ لم يحفظ ذلك حتى عن العلماء الذين يرون منعه، وبفرض كونه إجماعاً فعلياً فمحلحجيته كما هو ظاهر إنما هو عند صلاح الأزمنة بحيث ينفذ فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد تعطل ذلك منذ أزمنة‏.‏

ولو بنى نفس القبر لغير حاجة مما مر كما هو ظاهر أو نحو تحويط أو قبة عليه في مقبرة مسبلة كارض موات اعتادوا الدفن فيها أو موقوفة لذلك بل هي أولى هدم وجوباً لحرمته كما في المجموع لما فيه من التضييق مع أن البناء يتأبد بعد انمحاق الميت فيحرم الناس تلك البقعة، وهل من البناء ما اعتيد من جعل أربعة أحجار مربعة محيطة بالقبر مع لصق كل رأس منها برأس الآخر بجص محكم أولاً لأنه لا يسمى بناء عرفاً‏؟‏ والذي يتجه الأول لأن العلة من التأبيد موجودة هنا، وقد أفتى جمع بهدم كل ما بقرافة مصر من الأبنية حتى قبة الإمام الشافعي عليه الرحمة التي بناها بعض الملوك، وينبغي لكل أحد هدم ذلك ما لم يخش منه مفسدة فيتعين الرفع للإمام أخذاً من كلام ابن الرفعة في الصلح انتهى‏.‏

وفي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال‏:‏ قال لي كرم الله تعالى وجهه أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً الا سويته، قال ابن الهمام في فتح القدير‏:‏ وهو محمول على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن العالي، والأحاديث وكلام العلماء المنصفين المتبعين لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وجاء عن السلف الصالح أكثر من أن يحصى، لا يقال‏:‏ إن الآية ظاهرة في كون ما ذكر من شرائع من قبلنا وقد استدل بها فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من نام عن صلاة أو نسيها»

الحديث ثم تلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏ وهو مقول لموسى عليه السلام وسياقه الاستدلال‏.‏

واحتج محمد على جواز قسمة الماء بطريق المهايأة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّهَا شِرْبٌ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 155‏]‏ الآية ‏{‏وَنَبّئْهُمْ أَنَّ الماء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 28‏]‏ وأبو يوسف على جرى القود بين الذكر والأنثى بآية ‏{‏وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 45‏]‏ والكرخي على جريه بين الحر والعبد والمسلم والذمي بتلك الآية الواردة في بني إسرائيل إلى غير ذلك لأنا نقول‏:‏ مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان إنه يلزمنا على أنه شريعتنا لكن لا مطلقاً بل إن قصه الله تعالى علينا بلا إنكار وإنكار رسوله صلى الله عليه وسلم كانكاره عز وجل، وقد سمعت أنه عليه الصلاة والسلام لعن الذين يتخذون المساجد على القبور، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد‏.‏ والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفاً احتجاج الأئمة بها وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسس بهم فمتى لم يثبت أن فيهم معصوماً لا يدل فعلهم فضلاً عن عزمهم على مشروعية ما كانوا بصدده، ومما يقوى قلة الوثوق بفعلهم القول بأن المراد بهم الأمراء والسلاطين كما روي عن قتادة؛

وعلى هذا لقائل أن يقول‏:‏ إن الطائفة الأولى كانوا مؤمنين عالمين بعدم مشروعية اتخاذ المساجد على القبور فأشاروا بالبناء على باب الكهف وسده وكف كف التعرض عن أصحابه فلم يقبل الأمراء منهم وغاظهم ذلك حتى أقسموا على اتخاذ المسجد، وكان الأولين إنما لم يشريوا بالدفن مع أن الظاهر أنه هو المشروع إذ ذاك في الموتى كما أنه هو المشروع عندنا فيهم لعدم تحققهم موتهم، ومنعهم من تحقيقه انهم لم يقدروا كما أخرج عبد الرزاق‏.‏ وابن المنذر عن وهب بن منبه على الدخول عليهم لما أفيض عليهم من الهيبة ولهذا قالوا‏:‏ ‏{‏رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ‏}‏ وإن أبيت إلا حسن الظن بالطائفة الثانية فلك أن تقول‏:‏ إن اتخاذهم المسجد عليهم ليس على طرز اتخاذ المساجد على القبور المنهى عنه الملعون فاعله وإنما هو اتخاذ مسجد عندهم وقريباً من كهفهم، وقد جاء التصريح بالعندية في رواية القصة عن السدى‏.‏ ووهب، ومثل هذا الاتخاذ ليس محظوراً إذ غاية ما يلزم على ذلك أن يكون نسبة المسجد إلى الكهف الذي هم فيه كنسبة المسجد النبوي إلى المرقد المعظم صلى الله عليه وسلم، ويكون قولهم ‏{‏لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ‏}‏ على هذا لمشاكلة قول الطائفة ‏{‏ابنوا عَلَيْهِمْ‏}‏ وإن شئت قلت‏:‏ إن ذلك الاتخاذ كان على الكهف فوق الجبل الذي هو فيه، وفي خبر مجاهد أن الملك تركهم في كهفهم وبني على كهفهم مسجداً وهذا أقرب لظاهر اللفظ كما لا يخفى، وهذا كله إنما يحتاج إليه على القول بأن أصحاب الكهف ماتوا بعد الاعثار عليهم وأما على القول بأنهم ناموا كما ناموا أولاً فلا يحتاج إليه على ما قيل، وبالجملة لا ينبغي لمن له أدنى رشد أن يذهب إلى خلاف ما نطقت به الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة معولاً على الاستدلال بهذه الآية فإن ذلك في الغواية غاية وفي قلة النهي نهاية، ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من أشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلك محتجاً بهذه الآية الكريمة وبما جاء في بعض روايات القصة من جعل الملك لهم في كل سنة عيدا وجعله إياهم في توابيت من ساج ومقيسا البعض على البعض وكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإبداع دين لم يأذن به الله عز وجل‏.‏

ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره عليه الصلاة والسلام وهو أفضل قبر على وجه الأرض بل أفضل من العرش، والوقوف على أفعالهم في زيارتهم له والسلام عليه عليه الصلاة والسلام فتتبع ذاك وتأمل ما هنا وما هناك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك‏.‏

ثم أعلم أنهم اختلفوا في تعيين موضع المسجد والكهف وقد مرت عليك بعض الأقوال‏.‏ وفي البحر أن في الشام كهفا فيه موتى ويزعم مجاوروه أنهم أصحاب الكهف وعليهم مسجد وبناء يسمى الرقيم ومعهم كلب رمة، وبالأندلس في جهة غرناطة بقرب قرية تسمى لوشة كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة وأكثرهم قد انجرد لحمه وبعضهم متماسك وقد مضت القرون السالفة ولم نجد من علم شأنهم ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف؛ قال ابن عطية‏:‏ دخلت عليهم فرأيتهم سنة أربع وخمسمائة وهم بهذه الحالة وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم كأنه قصر مخلق قد بقي بعض جدرانه وهو في فلاة من الأرض خربة وبأعلا حصن غرناطة مما يلى القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس وجدنا في آثارها غرائب انتهى، وحين كنا بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلبا ويرحل الناس إلى لوشة لزيارتهم، وأما ما ذكره من المدينة القديمة فقد مررت عليها مراراً لا تحصى وشاهدت فيها حجارة كباراً، ويترجح كون ذلك بالأندلس لكثرة دين النصارى بها حتى أنها هي بلاد مملكتهم العظمى ولأن الأخبار بما هو في أقصى مكان من أرض الحجاز أغرب وأبعد أن يعرف إلا بوحي من الله تعالى انتهى‏.‏

وما تقدم من خبر ابن عباس‏.‏ ومعاوية يضعف ما ادعى ترجحه لأن معاوية لم يدخل الأندلس، وتسمية الأندلسيين نصارى الأندلس بالروم في نثرهم ونظمهم ومخاطبة عامتهم كما في البحر أيضاً لا يجدي نفعاً، وقد عول الكثير على أن ذلك طرسوس والله تعالى أعلم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏سَيَقُولُونَ‏}‏ الضمير فيه وفي الفعلين بعد كما اختاره ابن عطية وبعض المحققين لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم الخائضين في قصة أصحاب الكهف، وأيد بذلك قول الحسن‏.‏ وغيره‏:‏ إنهم كانوا قبل بعث موسى عليه السلام لدلالته ان لهم علماً في الجملة بأحوالهم وهو يستلزم أن يكون لهم ذكر في التوراة وفيه ما فيه‏.‏

والظاهر أن هذا إخبار بما لم يكن واقعاً بعد كأنه قيل سيقولون إذا قصصت قصة أصحاب الكف أو إذا سئلوا عن عدتهم هم ‏{‏ثلاثة‏}‏ أي ثلاثة أشخاص ‏{‏رَّابِعُهُمْ‏}‏ أي جاعلهم أربعة بانضمامه إليهم ‏{‏كَلْبُهُمْ‏}‏ فثلاثة خبر مبتدأ محذوف و‏{‏رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ مبتدأ وخبر ولا عمل لاسم الفاعل لأنه ماض والجملة في موضع النعت لثلاثة والضمير أن لها لا للمبتدأ ومن ثم استغنى عنه بالحذف وإلا كان الظاهر أن يقال‏:‏ هم ثلاثة وكلب لكن بما أريد اختصاصها بحكم بديع الشان عدل إلى ما ذكر لينبه بالنعت الدال على التفضلة والتمييز على أن أولئك الفتية ليسوا مثل كل ثلاثة أصطحبوا، ومن ثم قرن الله تعالى في كتابه العزيز أخس اليحوانات ببركة صحبتهم مع زمرة المتبتلين إليه المعتكفين في جواره سبحانه وكذا يقال فيما بعد، وإلى هذا الاعراب ذهب أبو البقاء واختاره العلامة الطيبي وهو الذي أشار إلى ما أشير إليه من النكتة ونظم في سلكها مع الآية حديث «ما ظنك باثنين الله تعالى ثالثهما» فأوجب ذلك أن شنع بعض أجلة الأفاضل عليه حتى أوصله إلى الكفر ونسبه إليه، ولعمري لقد ظلمه وخفي عليه مراده فلم يفهمه، ولم يجوز ابن الحاجب كون الجملة في موضع النعت كما لم يجوز هو ولا غيره كأبي البقاء جعلها حالاً وجعلها خبراً بعد خبر للمبتدأ المحذوف، وسيأتي إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك‏.‏

وتقدير تمييز العدد أشخاص أولى من تقديره رجال لأنه لا تصير الثلاثة الرجال أربعة بكلبهم لاختلاف الجنسين، وعدم اشتراط اتحاد الجنس في مثل ذلك يأباه الاستعمال الشائع مع كونه خلاف ما ذكره النحاة‏.‏

والقول بأن الكلب بشرف صحبتهم ألحق بالعقلاء تخيل شعري‏.‏ وقرأ ابن محيصن ‏{‏ثلاثة‏}‏ بإدغام الثاء في التاء تقول أبعث تلك وحسن ذلك لقرب مخرجهما وكونهما مهموسين ‏{‏وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ عطف على ‏{‏سَيَقُولُونَ‏}‏ والمضارع وإن كان مشتركاً بين الحال والاستقبال إلا أن المراد منه هنا الثاني بقرينة ما قبله فلذا اكتفى عن السين فيه وإذا عطفته على مدخول السين دخل معه في حكمها واختص بالاستقبال بواسطتها لكن قيل إن العطف على ذلك تكلف‏.‏ وقرأ شبل بن عباد عن ابن كثير ‏{‏خَمْسَةٍ‏}‏ بفتح الميم وهو كالسكون لغة فيها نظير الفتح والسكون في العشرة‏.‏

وقرأ ابن محيصن بكسر الخاء والميم وبإدغام التاء في السين؛ وعنه أيضاً إدغام التنوين في السين بغير غنة ‏{‏رَجْماً بالغيب‏}‏ أي رمياً بالخبر الغائب الخفي عنهم الذي لا مطلع لهم عليه وإتياناً به أو ظناً بذلك، وعلى الأول‏:‏ استعير الرجم وهو الرمي بالحجارة التي لا تيب غرضاً ومرمى للمتكلم من غير علم وملاحظة بعد تشبيهه به‏.‏ وفي «الكشف» أنه جعل الكلام الغائب عنهم علمه بمنزلة الرجام المرمي به لا يقصد به مخاطب معين ولو قصد لأخطأ لعدم بنائه على اليقين كما أن الرجام قلما يصيب المرجوم على السداد بخلاف السهم ونحوه ولهذا قالوا‏:‏ قذفاً بالغيب ورجماً به ولم يقولوا رمياً به، وأما الرمي في السب ونحوه فالنظر إلى تأثيره في عرض المرمى تأثير السهم في الرمية انتهى‏.‏

وعلى الثاني‏:‏ شبه ذكر أمر من غير علم يقيني واطمئنان قلب بقذف الحجر الذي لا فائدة في قذفه ولا يصيب مرماه ثم استعير له ووضع الرجم موضع الظن حتى صار حقيقة عرفية فيه‏.‏ وفي «الكشف» أيضاً أنه لما كثر استعمال قولهم‏:‏ رجماً بالظن فهموا من المصدر معناه دون النظر إلى المتعلق فقالوا رجماً بالغيب أي ظناً به وعلى ذلك جاء قول زهير‏:‏

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا *** وما هو عنها بالحديث المرجم

حيث أراد المظنون، وانتصاب ‏{‏رَجْماً‏}‏ هنا على الوجهين إما على الحالية من الضمير في الفعلين أي راجمين أو على المصدرية منهما فإن الرجم والقول واحد‏.‏

وفي «البحر» أنه ضمن القول معنى الرجم أو من محذوف مستأنف أو واقع موقع الحال من ضمير الفعلين معاً أي يرجمون رجماً، وجوز أبو حيان كونه منصوباً على أنه مفعول من أجله أي يقولون ذلك لرميهم بالغيب أو لظنهم بذلك أي الحال لهم على القول هو الرجم بالغيب وهو كما ترى‏.‏

‏{‏وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ المراد الاستقبال أيضاً، والكلام في عطفه كالكلام في عطف سابقه، والجملة الواقعة بعد العدد في موضع الصفة له كالجملتين السابقتين على ما نص عليه الزمخشري، ولم يجعل الواو مانعة عن ذلك بل ذكر أنها الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالاً عن المعرفة في قولك‏:‏ جاءني رجل ومعه آخر ومررت بزيد وفي يده سيف ومنه قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 4‏]‏ وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن إتصافه بها أمر ثابت مستقر وهي التي أذنت هنا بأن قائلي ما ذكر قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرجموا بالظن كما رجم غيرهم فهو الحق دون القولين الأولين، والدليل على ذلك أنه سبحانه وتعالى أتبعهما قوله تبارك اسمه ‏{‏رَجْماً بالغيب‏}‏ وابتع هذا قوله عز وجل ‏{‏قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم‏}‏ وعلى إذان الواو بما ذكر يدل كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقد روى أنه قال‏:‏ حين وقعت الواو انقطعت العدة أي لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والبتات‏.‏

وقد نص عطاء على أن هذا القليل من أهل الكتاب، وقيل من البشر مطلقاً وهو الذي يقتضيه ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال‏:‏ أنا من أولئك القليل، وأخرجه عنه غير واحد من طرق شتى، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود‏.‏

وزعم بعضهم أن المراد إلا قليل من الملائكة عليهم السلام لا يرتضيه أحد من البشر، والمثبت في هذا الاستثناء هو العالمية وذلك لا يضر في كون الأعلمية له عز وجل، هذا وإلى كون الواو كما ذكر الزمخشري ذهب ابن المنير وقال بعد نقله‏:‏ وهو الصواب لا كالقول بأنها واو الثمانية فإن ذلك أمر لا يستقر لمثبته قدم ورد ما ذكروه من ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه التنبيه عليه‏.‏

وقال أبو البقاء‏:‏ الجملة إذا وقعت صفة للنكرة جاز أن يدخلها الواو وهذا هو الصحيح في إدخال الواو في ثامنهم‏.‏ واعترض على ذلك غير واحد فقال أبو حيان‏:‏ كون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا أنه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالاً على المغايرة، وأما إذا لم تختلف فلا يجوز العطف، هذا في الأسماء المفردة، وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن جوز ذلك فيها‏.‏

وقد ردوا على من ذهب إلى أن قول سيبويه‏:‏ وأما ما جاء بالمعنى وليس باسم ولا فعل إلى أن وليس باسم الخ صفة لمعنى وأن الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام العرب وليس من كلامهم مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة، وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 4‏]‏ فالجملة فيه حالة ويكفى رداً لقول الزمخشري أنا لا نعلم أحداً من علماء النحو ذهب إليه اه‏.‏

وقال «صاحب الفرائد»‏:‏ دخول الواو بين الصفة والموصوف غير مستقين لاتحاد الصفة والموصوف ذاتاً وحكماً وتأكيد اللصوق يقتضي الإثنينية مع أنا نقول؛ لا نسلم أن الواو تفيد التأكيد وشدة اللصوق غاية ما في الباب أنها تفيد الجمع والجمع ينبىء عن الإثنينية واجتماع الصفة والموصوف ينبىء عن الاتحاد بالنظر إلى الذات‏.‏ وقد ذكر صاحب المفتاح أن قول من قال‏:‏ إن الواو في قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 4‏]‏ داخلة بين الصفة والموصوف سهو منه وإنما هي واو الحال وذو الحال ‏{‏قَرْيَةٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 4‏]‏ وهي موصوفة أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا ولها الخ، وأما جاءني رجل ومعه آخر ففيه وجهان، أحدهما أن يكون جملتين متعاطفتين وثانيهما أن يكون آخر معطوفاً على رجل أي جاءني رجل ورجل آخر معه، وعدل عن جاءني رجلان ليفهم أنهما جاءا مصاحبين، وأما الواو في مررت بزيد وفي يده سيف فإنما جاز دخولها بين الحال وذيها لكون الحال في حكم جملة بخلاف الصفة بالنسبة إلى الموصوف فإن جاء زيد راكباً في حكم جاء وهو راكب بخلاف جاء زيد الراكب فافهمه‏.‏

سلمنا أنها داخلة بين الصفة والموصوف لتأكيد اللصوق لكن الدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر غير مسلم وأين الدليل عليه‏؟‏ وكون الواو هي التي آذنت بأن القول المذكور عن ثبات علم وطمأنينة نفس في غاية البعد، والقول بأن الاتباع يدل على ذلك إن أريد منه أنه يدل على إيذان الواو بما ذكر فبطلانه ظاهر وإن أريد منه أن يدل على صدق قائلي القول الأخير وعدم صدق قائلي القولين الأولين فمسلم أن إتباع القولين الأولين برجما بالغيب يدل على عدم الصدق دلالة لا شبهة فيها لكن لا نسلم أن عدم اتباع القول الأخير به واتباعه بما اتبع يدل على ذلك وإن سلمنا فهو يدل دلالة ضعيفة، ولا نسلم أيضاً دلالة كلام ابن عباس على ما ذكر، والظاهر أنه علم أن القول الأخير صادق من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وأن مراده من قوله حين وقعت الواو انقطعت العدة أن الذي هو صدق ما وقعت الواو فيه وانقطعت العدة به، فالحق أن الواو واو عطف والجملة بعده معطوفة على الجملة قبله‏.‏ وانتصر العلامة الطيبي للزمخشري وأجاب عما اعترض به عليه فقال‏:‏ اعلم أنه لا بد قبل الشروق في الجواب من تبيين المقصود تحريراً للبحث فالواو هنا ليست على الحقيقة ولا يعتبر في المجاز النقل الخصوصي بل المعتبر فيه اعتبار نوع العلاقة، وذكروا أن المجاز في عرف البلاغة أولى من الحقيقة وأبلغ وأن مدار علم البيان الذوق السليم الذي هو أنفع من ذوق التعليم ولا يتوقف على التوقيف وليس ذلك كعلم النحو، والمجاز لا يختص بالاسم والفعل بل قد يقع في الحروف‏.‏

وقد نقل شارح اللباب عن سيبويه أن الواو في قولهم‏:‏ بعت الشاة ودرهماً بمعنى الباء، وتحقيقه أن الواو للجمع والباء للإلصاق وهما من واد واحد فسلك به طريق الاستعارة وكم وكم، وإذا علم ذلك فليعلم أن معنى قوله‏:‏ فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف أن للصفة نوع اتصال بالموصوف فإذا أريد توكيد اللصوق وسط بينهما الواو ليؤذن أن هذه الصفة غير منفكة عن الموصوف وإليه الإشارة فيما بعد من كلامه، وإن الحال في الحقيقة صفة لا فرق إلا بالاعتبار ألا ترى أن صفة النكرة إذاتقدمت عليها وهي بعينها تصير حالاً ولو لم يكونا متحدين لم يصح ذلك، ثم إن قولك‏:‏ جاءني رجل ومعه آخر وقولك‏:‏ مررت بزيد ومعه آخر لما كانا سواء في الصورة اللهم إلا في اعتبار المعرفة والنكرة كان حكمهما سواء في الواو وهو مراد الزمخشري من إيراد المثالين لا كما فهم بعضهم، وأما قول الفرايدي في تعليل امتناع دخول الواو بين الصفة والموصوف لاتحادهما ذاتاً وحكماً وهو مناف لما يقتضيه دخول الواو من المغايرة فمبنى على أن الواو عاطفة لأنها هي التي تقتضي المغايرة كما قال السكاكي وقد بين وجه مجازه لمجرد الربط‏.‏

وأما قوله في جاءني رجل ومعه آخر أنه جملتان فهو كما تراه، وأما قوله‏:‏ إن جاء زيد راكباً في حكم جاء زيد وهو راكب فمن المعكوس فإن الأصل في الحال الإفراد كما يدل عليه كلام ابن الحاجب وغيره من الأعيان، وأما تسليمه الدخول لتأكيد اللصوق ومنه الدلالة على أن الاتصاف أمر ثابت مستقر فمن العجائب فكيف يسلم التأكيد ولا يسلم فائدته، ويدفع الاعتراضات الباقية أن ما استند إليه الزمخشري ليس من باب الأدلة اليقينية بل هي من باب الإمارات وتكفي في هذه المقامات، وقال ابن الحاجب‏:‏ لا يجوز أن يكون ‏{‏رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ صفة لما قبل ولا حالاً لعدم العامل مع عدم الواو، ويجوز أن يكون كل منهما خبراً بعد خبر للمبتدأ المحذوف والإخبار إذا تعددت جاز في الثاني منها الاقتران بالواو وعدمه، وهذا إن سلم أن المعنى في الجمل واحد أما إذا قيل إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ استئناف منه سبحانه لا حكاية عنهم فيفهم أن القائلين سبعة أصابوا ولا يلزم أن يكون خبراً بعد خبر، ويقويه ذكر ‏{‏رَجْماً بالغيب‏}‏ قبل الثالثة فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب فتكون صدقاً البتة إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث أن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ‏}‏ فلو جعل ‏{‏وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ تصديقاً منه تعالى لمن قال سبعة لوجب أن يكون العالم بذلك كثيراً فإن أخبار الله تعالى صدق فدل على أنه لم يصدق منهم أحد، وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تكون الأخيرة وصفاً فوجب أن يكون الجميع كذلك انتهى؛ ويفهم أن الواو هي المانعة من الوصفية والداء هو الداء فالدواء هو الدواء‏.‏

وقوله‏:‏ وإذا كان كذلك وجب الخ كلام بمراحل عن مقتضى البلاغة لألاْن في كل اختلاف فوائد والبليغ من ينظر إلى تلك الفوائد لا من يرده إلى التطويل والحشو في الكلام، وأيضاً لا بد من قول صادق من الأقوال الثلاثة لينطبق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ‏}‏ مع قوله سبحانه ‏{‏رَجْماً بالغيب‏}‏ لأنه قد اندفع به القولان الأولان فيكون الصادق هذا‏.‏

وتعقيبه به أمارة على صدقة وذلك مفقول على ما ذهب إليه السائل، ومع هذا أين طلاوة الكلام وأين اللطف الذي تستلذه الأفهام‏.‏ وما ذكره من لزوم كون العالم بذلك كثيراً على تقدير كون ‏{‏وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ استئنافاً منه تعالى لأن أخبار الله تعالى لأن أخبار الله تعالى صدق لا يخلو عن بحث لأن المصدق حينئذ هم المسلمون وهم قليل بالنسبة إلى غيرهم، ولا اختصاص للقليل بما دون العشرة وإن أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه قال‏:‏ كل قليل في القرآن فهو دون العشرة فإن ذلك في حيز المنع ودون إثباته التعب الكثير، على أنه يمكن أن يقال‏:‏ المراد قلة العالمين بذلك قبل تصديقه تعالى، ولا يبعد أن يكونوا قليلين في حد أنفسهم من المسلمين كانوا أو من أهل الكتاب أو منهما، نعم القول بالاستئناف مما لا ينبغي أن يلتفت إليه وإن ذهب إليه بعض المفسرين‏.‏ هذا ووافق في الانتصار جماعة منهم سيد المحققين وسند المدققين فقال‏:‏

الظاهر أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ‏}‏ صفة لسبعة كما يشهد به أخواه، وأيضاً ليس سبعة في حكم الموصوفة كما قيل في ‏{‏قَرْيَةٌ‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 4‏]‏ حتى يصح الحمل على الحال اتفاقاً، ولا شك أن معنى الجمع يناسب معنى اللصوق وباب المجاز مفتوح فلتحمل هذه الواو عليه تأكيداً للصوق الصفة بالموصوف فتكون هذه أيضاً فرعا للعاطفة كالتي بمعنى مع والحالية والاعتراضية‏.‏

وأيد ذلك أيضاً بما روى عن ابن عباس‏.‏ وأورد على تعليل منعه للحالية بعدم كون النكرة في حكم الموصوفة أنه لا ينحصر مسوغ مجيء الحال من النكرة في كونها موصوفة أو في حكم الموصوفة كما في الآية التي ذكرها فقد ذكر في «المغنى» أن من المسوغات اقتران الجملة الحالية بالواو فليحفظ‏.‏

وقد وافق ابن مالك الرافدين له فقال في «شرح التسهيل»‏:‏ ما ذهب إليه صاحب الكشاف من توسط الواو بين الصفة والموصوف فاسد من خمسة أوجه، أحدها‏:‏ أنه قاس في ذلك الصفة على الحال وبينهما فروق كثيرة لجواز تقدم الحال على صاحبها وجواز تخالفهما في الاعراب والتعريف والتنكير وجواز إغناء الواو عن الضمير في الجملة الحالية وامتناع ذلك في الواقعة نعتاً فكما ثبت مخالفة الحال الصفة في هذه الأشياء ثبتت مخالفتها إياها بمقارنة الواو والجملة الحالية وامتناع ذلك في الجملة النعتية، الثاني‏:‏ أن مذهبه في هذه المسألة لا يعرف بين البصريين والكوفيين فوجب أن لا يلتفت إليه، الثالث‏:‏ أنه معلل بما لا يناسب وذلك أن الواو تدل على الجمع بين ما قبلها وما بعدها وذلك مستلزم لتغايرهما وهو ضد لما يراد من التوكيد فلا يصح أن يقال لعاطف مؤكد، الرابع‏:‏ أن الواو فصلت الأول من الثاني ولولاها لتلاصقا فكيف يقال إنها أكدت لصوقها، الخامس‏:‏ أن الواو لو صلحت لتأكيد لصوق الموصوف بالصفة لكان أولى المواضع بها موضعاً لا يصلح للحال بخلاف جملة تصلح في موضعها الحال اه، ويعلم ما فيه بالتأمل الصادق فيما تقدم‏.‏

والعجب مما ذكره في الوجه الرابع فهو توهم يستغرب من الأطفال فضلاً عن فحول الرجال فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ إن ضمائر الأفعال الثلاث للخائضين في قصة أصحاب الكهف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمسلمين لا على وجه إسناد كل من الأفعال إلى كلهم بل إلى بعضهم فالقول الأول لليهود على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي، وقيل لسيد من سادات نصارى العرب النجرانيين وكان يعقوبياً وكان قد وفد مع جماعة منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فذكر من عدتهم ما قصه الله تعالى شأنه، ولعل التعبير بضمير الجمع لموافقة من معه إياه في ذلك، والقول الثاني على ما روى عن السدي أيضاً النصارى ولم يقيدهم؛ وقيل العاقب ومن معه من نصارى نجران وكانوا وافدين أيضاً وكان نسطورياً والقول الثالث لبعض المسلمين، وكأنه عز اسمه لما حكى الأقوال قبل أن تقال على ذلك لقنهم الحق وأرشدهم إليه بعدم نظم ذلك القول في سلك الرجم بالغيب كما فعل بأخويه وتغيير سبكه بإقحام الواو وتعقيبه بما عقبه به على ما سمعت من كون ذلك إمارة على الحقية، والمراد بالقليل على هذا من وفقه الله تعالى للاسترشاد بهذه الأمارات كابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد مر غير بعيد أنه عد من ذلك وذكر ما ظاهره الاستشهاد بالواو‏.‏

وقيل إنهم علموا تلك العدة من وحي غير ما ذكر بأن يكون قد أخبرهم صلى الله عليه وسلم بذلك عن إعلام الله تعالى إياه به‏.‏ وتعقبه بأنه لو كان كذلك لما خفي على الحبر ولما احتاج إلى الاستشهاد ولكان المسلمون أسوة له في العلم بذلك‏.‏ وأجيب بأنه لا مانع من وقوف الحبر على الخبر مع جماعة قليلة من المسلمين، ولا يلزم من إخباره صلى الله عليه وسلم بشيء وقوف جميع الصحابة عليه فكم من خبر تضمن حكماً شرعياً تفرد بروايته عنه عليه الصلاة والسلام واحد منهم رضي الله تعالى عنهم فما ظنك بما هو من باب القصص التي لم تتضمن ذلك، واستشهاده رضي الله تعالى عنه نصاً لا ينافي الوقوف بل قد يجامعه بنا على ما وقفت عليه آنفاً فهو ليس نصاً في عدم الوقوف‏.‏

وقد أورد على القول بأن منشأ العلم التلقن من هذا الوحي لما تضمن من الإمارات أنه يلزم من ذلك كون الصحابة السامعين للآية أسوة لابن عباس في العلم نحو ما ذكره المتعقب بل لأنهم العرب الذين أرضعوا ثدي البلاغة في مهد الفصاحة وأشرقت على آفاق قلوبهم وصفحات أذهانهم من مطالع إيمانهم الاستوائية أنوار النبوة المفاضة من شمس الحضرة الأحدية وقلما تنزل آية ولا تلقى عصاها في رباع أسماعهم لوفور رغبتهم في الاستماع ومزيد حرصه صلى الله عليه وسلم على اسماعهم، ومتى فهم الزمخشري وإضرابه من هذه الآية ما فهموا فلم لم يفهم أصحابه عليه الصلاة والسلام ذلك وهم هم أيخطر ببال من له أدنى عقل أن الأعجام شعروا وأكثر أولئك العرب لم يشعروا‏؟‏ أم كيف يتصور تجلي أسرار بلاغة القرآن لمن لا يعرف إعجازه إلا بعد المشقة وتحجب عمن يعرف ذلك بمجرد السليقة‏؟‏ ولا يكاد يدفع هذا الايراد إلا بالتزام أن السامعين لهذه الآية قليلون لأنها نزلت في مكة وفي المسلمين هناك قلة مع عدم تيسر الاجتماع لهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا اجتماع بعضهم مع بعض نحو تيسر ذلك في المدينة أو بالتزام القول بأن الملتفتين إلى ما فيها من الشواهد كانوا قليلين وهذا كما ترى‏.‏

وقيل إن الضمائر لنصارى نجران تناظروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدد أصحاب الكهف فقالت الملكانية الجملة الأولى واليعقوبية الجملة لثانية والنسطورية الجملة الثالثة، ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو أولى من القول السابق المحكى عن بعضهم‏.‏

وقال الماوردي واستظهره أبو حيان‏:‏ إن الضمائر للمتنازعين في حديثهم قبل ظهورهم عليهم فيكون قد أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من اختلاف قومهم في عدم، ولا يخفى أنه يبعد هذا القول من حكاية تلك الأقوال بصيغة الاستقبال مع تعقيبها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم‏}‏ وقد تقدم رواية أن القوم حين أتوا باب الكهف مع المبعوث لاشتراء الطعام قال‏:‏ دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم فدخل وعمى على القوم أثرهم، وفي رواية أنهم كلما أراد أن يدخل عليهم أحد منهم رعبوا فتركوا وبنى عليهم مسجد، فلو قيل على هذا‏:‏ إن الضمائر للمعثرين اختلفوا في عددهم لعدم تمكنهم من رؤيتهم والاجتماع معهم فقال كل طائفة منهم ما قالت، ولعل الطائفة الأخيرة استخبرت الفتى فأخبرها بتلك العدة فصدقته وأخذت كلامه بالقبول وتأيد بما عندهم من أخبار أسلافهم فقالت ذلك عن يقين ورجمت الطائفتان المتقدمتان لعدم ثبوت ما يفيد العلم عندهما ولعلهما كانتا كافرتين لم يبعد بعد ما نقل عن الماوردي فتدبر‏.‏

ومن غريب ما قيل‏:‏ إن الضمير في ‏{‏يَقُولُونَ سَبْعَةُ‏}‏ لله عز وجل والجمع للتعظيم‏.‏ وأسماؤهم على ما صح عن ابن عباس مكسلمينا ويمليخا ومرطولس وثبيونس ودردونس وكفاشيطيطوس ومنطنواسيس وهو الراعي والكلب اسمه قطمير، وروى عن علي كرم الله تعالى وجهه أن أسمائهم يمليخا ومكشلينيا ومثلينيا وهؤلاء أصحاب يمين الملك ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش وهؤلاء أصحاب يساره وكان يستشير الستة والسابع الراعي، ولم يذكر في هذه الرواية اسمه، وذكر فيها أن اسم كلبهم قطمير، وفي صحة نسبة هذه الرواية لعلي كرم الله تعالى وجهه مقال، وذكر العلامة السيوطي في «حواشي البيضاوي» أن الطبراني روى ذلك عن ابن عباس في معجمه الأوسط بإسناد صحيح‏.‏

والذي في «الدر المنثور» رواية الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح ما قدمناه عن ابن عباس والله تعالى أعلم‏.‏

وقد سموا في بعض الروايات بغير هذه الأسماء، وذكر الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» أن في النطق بأسمائهم اختلافاً كثيراً ولا يقع الوثوق من ضبطها‏.‏ وفي البحر أن أسماء أصحاب الكهف أعجمية لا تنضبط بشكل ولا نقط والسند في معرفتها ضعيف، وذكروا لها خواصاً فقال النيسابوري عن ابن عباس‏:‏ إن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأس في المهد وللحرث تكتب على القرطاس ويرفع على خشب منصوب في وسط الزرع وللضربان وللحمى المثلثة والصداع والغنى والجاه والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى ولعسر الولادة تشد على الفخذ الأيسر ولحفظ المال والركوب في البحر والنجاة من القتل انتهى، ولا يصح ذلك عن ابن عباس ولا عن غير من السلف الصالح، ولعله شيء افتراه المتزيون بزي المشايخ لأخذ الدراهم من النساء وسخفة العقول، وأنا أعد هذا من خواص أسمائهم فإنه صحيح مجرب‏.‏ وقرىء ‏{‏وَثَامِنُهُمْ‏}‏ أي صاحب كلبهم‏.‏

واستدل بعضهم بهذه القراءة على أنهم ثمانية رجال وأول القراءة المواترة بأنها على حذف مضاف أي وصاحب كلبهم وهو كما ترى ‏{‏قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ‏}‏ الفاء لتفريع النهي على ماقبله، والمماراة على ما قال الراغب المحاجة فيما فيه مرية أي تردد، وأصل ذلك من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب، وفسرها غير واحد بالمجادلة وهي المحاجة مطلقاً أي إذا قد وقفت على أن في الخائضين مخطئاً ومصيباً فلا تجادلهم ‏{‏فِيهِمْ‏}‏ أي في شأن الفتية ‏{‏إِلاَّ مِرَآء ظاهرا‏}‏ غير متعمق فيه وذلك بالاقتصار على ما تعرض له الوحي المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مصيباً وإن قل ولا تفضيح وتعنيف للجاهل منهم فإن ذلك مما يخل بمكارم الأخلاق التي بعثت لإتمامها‏.‏

وقال ابن زيد‏:‏ المراء الظاهر القول لهم ليس كما تعلمون‏.‏

وحكى المارودي أن المراء الظاهر ما كان بحجة ظاهرة، وقال ابن الأنباري‏:‏ هو جدال العالم المتبقين بحقيقة الخبر، وقال ابن بحر‏:‏ هو ما يشهده الناس، وقال التبريزي‏:‏ المراد من الظاهر الذاهب بحجة الخصم يقال ظهر إذا ذهب، وأنشد‏:‏

وتلك شكاة ظاهر عنك عارها *** أي ذاهب ‏{‏وَلاَ تَسْتَفْتِ‏}‏ ولا تطلب الفتيا ‏{‏فِيهِمْ‏}‏ في شأنهم ‏{‏مِنْهُمْ‏}‏ من الخائضين ‏{‏أَحَدًا‏}‏ فإن فيما أفتيناك غني عن الاستفتاء فيحمل على التفتي المنافي لمكارمخ الأخلاق إذ الحال لا تقتضي تطيب الخواطر أو نحو ذلك، وقيل‏:‏ المعنى لا ترجع إليهم في شأنهم الفتية ولاتصدق القول الثالث من حيث صدوره منهم بل من حيث التلقي من الوحي، وقيل‏:‏ المعنى إذ قد عرفت جهل أصحاب القولين فلا تجادلهم في شأنهنم إلا جدالاً ظاهراً قدر ما تعرض له الوحي من وصفهم بالرجم بالغيب ولا تستفت فيهم من أولئك الطائفتين أحداً لاستغنائك بما أوتيت مع أنهم لا علم لهم بذلك وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى‏.‏